المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه عجب حال اليهود من تركهم حكم التوراة وهم يعلمونه وطلبهم من البني صلى الله عليه وسلم الحكم بينهم ورضاهم به إذا وافق أهواءهم وتركهم له إذا جاء على غير ما يريدون.
ذكر أمر التوراة وأنها أنزلت هداية لنبي إسرائيل ثم أعرضوا عن العمل بها لما عرض لهم من الفساد وفي ذلك من العبرة أن الانتماء إلى الدين لا ينفع أهله إذا لم يقيموه ويهتدوا بهديه وأن إيثار أهل الكتاب أهواءهم على هدي دينهم هو الذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به
وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص أي إن الجروح ذوات قصاص يعتبر في جزائها المساواة بقدر الاستطاعة.
و قد جاء في التوراة في الفصل الحادي والعشرين من سفر الخروج ( وإن حصلت أذية تعطي نفسا بنفس وعينا بعين وسنا بسن ويدا بيد ورجلا برجل وكيا بكي وجرحا بجرح ورضا برض ).
و جاء في الفصل الرابع والعشرين من سفر اللاويين ( وإذا أمات أحد إنسانا فإنه يقتل ومن أمات بهيمة يعوض عنها نفسا بنفس وإذا أحدث إنسان في قريبه عيبا فكما فعل كذلك يفعل به كسر بكسر وعين بعين وسن بسن كما أحدث عيبا في الإنسان كذلك يحدث فيه ).
فمن تصدق به فهو كفارة له أي فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص وعفا عن الجاني فهذا التصدق كفارة له يكفر الله بها ذنوبه ويعفو عنه كما عفا عن أخيه.
و هذا كقوله تعالى : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ( البقرة : ٢٣٧ ) وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :'' من تصدق من جسده بشيء كفر الله تعالى عنه يقدره من ذنوبه '' ويقرب منه قوله صلى الله عليه وسلم :'' أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم ؟ كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس ''.
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون أي إن كل من اعرض عما أنزل الله من القصاص المبني على قاعدة العدل والمساواة بين الناس وحكم بغيره فهو من الظالمين إذ العدول عن ذلك لا يكون إلا بتفضيل أحد الخصمين على الآخر وغمص حق المفضل عليه وظلمه.
تفسير المراغي
المراغي