ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

يتناول هذا الدرس أخطر قضية من قضايا العقيدة الإسلامية، والمنهج الإسلامي. ونظام الحكم والحياة في الإسلام.. وهي القضية التي عولجت في سورتي آل عمران والنساء من قبل.. ولكنها هنا في هذه السورة تتخذ شكلا محددانها قضية الحكم والشريعه والتقاضي - ومن ورائها قضية الألوهيه والتوحيد والايمان - والقضيه في جوهرها تتلخص في الاجابه على هذا السؤال :
أيكون الحكم والشريعه والتقاضي حسب مواثيق الله وعقوده وشرائعه التي استحفظ عليها اصحاب الديانات السماويه واحده بعد الأخرى ؛ وكتبها على الرسل، وعلى من يتولون الأمر بعدهم ليسيروا على هداهم ؟ أم يكون ذلك كُله للأهواء المتقلبه، والمصالح التي لا ترجع الى أصل ثابت من شرع الله، والعرف الذي يصطلح عليه جيل أو أجيال ؟ وبتعبير آخر : أتكون الألوهيه والربوبيه والقوامة لله في الأرض وفي حياة الناس ؟ أم تكون كلها أو بعضها لأحد من خلقه يشرع للناس ما لم يأذن به الله ؟
الله - سبحانه - يقول : إنه هو الله لا آله إلا هو. وإن شرائعه التي سنها للناس بمقتضى ألوهيته لهم وعبوديتهم له، وعاهدهم عليها وعلى القيام بها ؛ هي التي يجب أن تحكم هذه الأرض، وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس، وهي التي يجب أن يقضي بها الأنبياء ومن بعدهم من الحكام..
والله - سبحانه - يقول : إنه لا هوادة في هذا الأمر، ولا ترخص في شيء منه، ولا انحراف عن جانب ولو صغير. وإنه لا عبرة بما تواضع عليه جيل، أو لما اصطلح عليه قبيل، مما لم يأذن به الله في قليل ولا كثيرا !
والله - سبحانه - يقول : إن المسألة - في هذا كله - مسألة إيمان أو كفر ؛ أو إسلام أو جاهلية ؛ وشرع أو هوى. وإنه لا وسط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح ! فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله - لا يخرمون منه حرفا ولا يبدلون منه شيئا - والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله.
وأنه إما أن يكون الحكام قائمين على شريعة الله كاملة فهم في نطاق الإيمان. وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى مما لم يإذن به الله، فهم الكافرون الظالمون الفاسقون. وأن الناس إما أن يقبلوا من الحكام والقضاة حكم الله وقضاءه في أمورهم فهم مؤمنون.. وإلا فما هم بالمؤمنين.. ولا وسط بين هذا الطريق وذاك ؛ ولا حجة ولا معذرة، ولا احتجاج بمصلحة. فالله رب الناس يعلم ما يصلح للناس ؛ ويضع شرائعة لتحقيق مصالح الناس الحقيقية. وليس أحسن من حكمه وشريعته حكم أو شريعة. وليس لأحد من عباده أن يقول : إنني أرفض شريعة الله، أو إنني أبصر بمصلحة الخلق من الله.. فإن قالها - بلسانه أو بفعله - فقد خرج من نطاق الإيمان..
هذه هي القضية الخطيرة الكبيرة التي يعالجها هذا الدرس في نصوص تقريرية صريحة.. ذلك إلى جانب ما يصوره من حال اليهود في المدينة، ومناوراتهم ومؤامراتهم مع المنافقين :( من الذين قالوا : آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ). وما يوجه به رسول الله [ ص ] لمواجهة هذا الكيد الذي لم تكف عنه يهود، منذ أن قامت للإسلام دولة في المدينة..
والسياق القرآني في هذا الدرس يقرر أولا : توافي الديانات التي جاءت من عندالله كلها على تحتيم الحكم بما أنزله الله ؛ وإقامة الحياة كلها على شريعة الله ؛ وجعل هذا الأمر مفرق الطريق بين الإيمان والكفر ؛ وبين الإسلام والجاهلية ؛ وبين الشرع والهوى.. فالتوراة أنزلها الله فيها هدى ونور :( يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ).. ( وعندهم التوارة فيها حكم الله ).. ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس.. الخ ).. والإنجيل آتاه الله عيسى بن مريم ( مصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ).. والقرآنأنزله الله على رسوله ( بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه )وقال له :( فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ).. ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ).. ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ).. ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ).. ( أفحكم الجاهلية يبغون ؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟ ).. وكذلك تتوافى الديانات كلها على هذا الأمر، ويتعين حد الإيمان وشرط الإسلام، سواء للمحكومين أو للحكام.. والمناط هو الحكم بما أنزل الله من الحكام، وقبول هذا الحكم من المحكومين، وعدم ابتغاء غيره من الشرائع والأحكام..
والمسألة في هذا الوضع خطيرة ؛ والتشدد فيها على هذا النحو يستند إلى إسباب لا بد خطيرة كذلك. فما هي يا ترى هذه الأسباب ؟ إننا نحاول أن نتلمسها سواء في هذه النصوص أو في السياق القرآني كله، فنجدها واضحة بارزة..
إن الاعتبار الأول في هذه القضية هو أنها قضية الإقرار بألوهية الله وربوبيته وقوامته على البشر - بلا شريك - أو رفض هذا الإقرار.. ومن هنا هي قضية كفر أو إيمان، وجاهلية أو إسلام..
... والقرآن كله معرض بيان هذه الحقيقة..
إن الله هو الخالق.. خلق هذا الكون، وخلق هذا الإنسان. وسخر ما في السماوات والأرض لهذا الإنسان.. وهو - سبحانه - متفرد بالخلق، لا شريك له في كثير منه أو قليل.
وإن الله هو المالك.. بما أنه هو الخالق.. ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما.. فهو - سبحانه - متفرد بالملك. لا شريك له في كثير منه أو قليل.
وإن الله هو الرازق.. فلا يملك أحد أن يرزق نفسه أو غيره شيئا. لا من الكثير ولا من القليل..
وإن الله هو صاحب السلطان المتصرف في الكون والناس.. بما أنه هو الخالق المالك الرازق.. وبما أنه هو صاحب القدرة التي لا يكون بدونها خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر. وهو - سبحانه - المتفرد بالسلطان في هذا الوجود.
والإيمان هو الإقرار لله - سبحانه - بهذه الخصائص. الألوهية، والملك، والسلطان... متفردا بها لا يشاركه فيها أحد. والإسلام هو الاستسلام والطاعة لمقتضيات هذه الخصائص.. هو إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة على الوجود كله - وحياة الناس ضمنا - والاعتراف بسلطانه الممثل في قدره ؛ والممثل كذلك في شريعته. فمعنى الاستسلام لشريعة الله هو - قبل كل شيء - الاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته وسلطانه. ومعنى عدم الاستسلام لهذه الشريعة، واتخاذ شريعة غيرها في أية جزئية من جزئيات الحياة، هو - قبل كل شيء - رفض الاعتراف بألوهية الله وربوبيته وقوامته وسلطانه.. ويستوي أن يكون الاستسلام أو الرفض باللسان أو بالفعل دون القول.. وهي من ثم قضية كفر أو إيمان ؛ وجاهلية أو إسلام. ومن هنا يجيء هذا النص :( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ).. ( الظالمون ).. ( الفاسقون ).
والاعتبار الثاني هو اعتبار الأفضلية الحتمية المقطوع بها لشريعة الله على شرائع الناس.. هذه الأفضلية التي تشير إليها الآية الأخيرة في هذا الدرس :( ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون )..
والاعتراف المطلق بهذه الأفضلية لشريعة الله، في كل طور من أطوار الجماعة، وفي كل حالة من حالاتها.. هو كذلك داخل في قضية الكفر والإيمان.. فما يملك إنسان أن يدعي أن شريعة أحد من البشر، تفضل أو تماثل شريعة الله، في أية حالة أو في أي طور من أطوار الجماعة الإنسانية.. ثم يدعي - بعد ذلك - أنه مؤمنبالله، وأنه من المسلمين.. إنه يدعي أنه أعلم من الله بحال الناس ؛ وأحكم من الله في تدبير أمرهم. أو يدعي أن أحوالا وحاجات جرت في حياة الناس، وكان الله - سبحانه - غير عالم بها وهو يشرع شريعته ؛ أو كان عالما بها ولكنه لم يشرع لها ! ولا تستقيم مع هذا الادعاء دعوى الإيمان والإسلام. مهما قالها باللسان !
فأما مظاهر هذه الأفضلية فيصعب إدراكها كلها. فإن حكمة شرائع الله لا تنكشف كلها للناس في جيل من الأجيال. والبعض الذي ينكشف يصعب التوسع في عرضه هنا.. في الظلال.. فنكتفي منه ببعض اللمسات :
إن شريعة الله تمثل منهجا شاملا متكاملا للحياة البشرية ؛ يتناول بالتنظيم والتوجيه والتطوير كل جوانب الحياة الإنسانية ؛ في جميع حالاتها، وفي كل صورها وأشكالها..
وهو منهج قائم على العلم المطلق بحقيقة الكائن الإنساني، والحاجات الإنسانية، وبحقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان ؛ وبطبيعة النواميس التي تحكمه وتحكم الكينونة الإنسانية.. ومن ثم لا يفرط في شيء من أمور هذه الحياة ؛ ولا يقع فيه ولا ينشأ عنه أي تصادم مدمر بين أنواع النشاط الإنساني ؛ ولا أي تصادم مدمر بين هذا النشاط والنواميس الكونية ؛ إنما يقع التوازن والاعتدال والتوافق والتناسق.. الأمر الذي لا يتوافر أبدا لمنهج من صنع الإنسان الذي لا يعلم إلا ظاهرا من الأمر ؛ وإلا الجانب المكشوف في فترة زمنية معينة ؛ ولا يسلم منهج يبتدعه من آثار الجهل الإنساني ؛ ولا يخلو من التصادم المدمر بين بعض ألوان النشاط وبعض. والهزات العنيفة الناشئة عن هذا التصادم.
وهو منهج قائم على العدل المطلق.. أولا.. لأن الله يعلم حق العلم بم يتحقق العدل المطلق وكيف يتحقق.. وثانيا.. لأنه - سبحانه - رب الجميع ؛ فهو الذي يملك أن يعدل بين الجميع ؛ وأن يجيء منهجه وشرعه مبرأ من الهوى والميل والضعف - كما أنه مبرأ من الجهل والقصور والغلو والتفريط - الأمر الذي لا يمكن أن يتوافر في أي منهج أو في أي شرع من صنع الإنسان، ذي الشهوات والميول، والضعف والهوى - فوق ما به من الجهل والقصور - سواء كان المشرع فردا، أو طبقة، أو أمة، أو جيلا من أجيال البشر.. فلكل حالة من هذه الحالات أهواؤها وشهواتها وميولها ورغباتها ؛ فوق أن لها جهلها وقصورها وعجزها عن الرؤية الكاملة لجوانب الأمر كله حتى في الحالة الواحدة في الجيل الواحد..
وهو منهج متناسق مع ناموس الكون كله. لأن صاحبه هو صاحب هذا الكون كله. صانع الكون وصانع الإنسان. فإذا شرع للإنسان شرع له كعنصر كوني، له سيطرة على عناصر كونية مسخرة له بأمر خالقه ؛ بشرط السير على هداه، وبشرط معرفة هذه العناصر والقوانين التي تحكمها.. ومن هنا يقع التناسق بين حركة الإنسان وحركة الكون الذي يعيش فيه ؛ وتأخذ الشريعة التي تنظم حياته طابعا كونيا، ويتعامل بها لا مع نفسه فحسب، ولا مع بني جنسه فحسب ! ولكن كذلك مع الأحياء والأشياء في هذا الكون العريض، الذي يعيش فيه، ولا يملك أن ينفذ منه، ولا بد له من التعامل معه وفق منهاج سليم قويم.
ثم.. إنه المنهج الوحيد الذي يتحرر فيه الإنسان من العبودية للإنسان.. ففي كل منهج - غير المنهج الإسلامي - يتعبد الناس الناس. ويعبد الناس الناس. وفي المنهج الإسلامي - وحده - يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده بلا شريك..
إن أخص خصائص الألوهية - كما أسلفنا - هي الحاكمية.. والذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية ويستخدم خصائصها. فهم عبيده لا عبيد الله، وهم في دينه لا في دين الله.
والإسلام حين يجعل الشريعه لله وحده، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ويعلن تحرير الإنسان. بل يعلن " ميلاد الإنسان ".. فالإنسان لا يولد، ولا يوجد، إلا حيث تتحرر رقبتة من حكم إنسان
وبعد بيان هذا الأصل القاعدي في دين الله كله، يعود السياق، لعرض نماذج من شريعة التوراة التي أنزلها الله ليحكم بها النبيون والربانيون والأحبار للذين هادوا - بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء :
( وكتبنا عليهم فيها : أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص )..
وقد استبقيت هذه الأحكام التي نزلت بها التوراة في شريعة الإسلام، وأصبحت جزءا من شريعة المسلمين، التي جاءت لتكون شريعة البشرية كلها إلى آخر الزمان. وإن كانت لا تطبق إلا في دار الإسلام، لاعتبارات عملية بحتة ؛ حيث لا تملك السلطة المسلمة أن تطبقها فيما وراء حدود دار الإسلام. وحيثما كان ذلك في استطاعتها فهي مكلفة تنفيذها وتطبيقها، بحكم أن هذه الشريعة عامة للناس كافة، للأزمان كافة، كما أرادها الله.
وقد أضيف إليها في الإسلام حكم آخر في قوله تعالى :
( فمن تصدق به فهو كفارة له )..
ولم يكن ذلك في شريعة التوارة. إذ كان القصاص حتما ؛ لا تنازل فيه، ولا تصدق به، ومن ثم فلا كفارة..
ويحسن أن نقول كلمة عن عقوبات القصاص هذه على قدر السياق في الظلال.
أول ما تقرره شريعة الله في القصاص، هو مبدأ المساواة.. المساواة في الدماء والمساواة في العقوبة.. ولم تكن شريعة أخرى - غير شريعة الله - تعترف بالمساواة بين النفوس، فتقتص للنفس بالنفس، وتقتص للجوارح بمثلها، على اختلاف المقامات والطبقات والأنساب والدماء والأجناس..
النفس بالنفس. والعين بالعين. والأنف بالأنف. والأذن بالأذن. والسن بالسن. والجروح قصاص.. لا تمييز. ولا عنصرية. ولا طبقية. ولا حاكم. ولا محكوم.. كلهم سواء أمام شريعة الله. فكلهم من نفس واحدة في خلقة الله.
إن هذا المبدأ العظيم الذي جاءت به شريعة الله هو الإعلان الحقيقي الكامل لميلاد " الإنسان " الإنسان الذي يستمتع كل فرد فيه بحق المساواة.. أولا في التحاكم إلى شريعة واحدة وقضاء واحد. وثانيا في المقاصة على أساس واحد وقيمة واحدة.
وهو أول إعلان.. وقد تخلفت شرائع البشر الوضعية عشرات من القرون حتى ارتقت إلى بعض مستواه من ناحية النظريات القانونية، وإن ظلت دون هذا المستوى من ناحية التطبيق العملي.
ولقد انجرف اليهود الذين ورد هذا المبدأ العظيم في كتابهم - التوراة - عنه ؛ لا فيما بينهم وبين الناس فحسب، حيث كانوا يقولون :" ليس علينا في الآميين سبيل بل فيما بينهم هم أنفسهم. على نحو ما رأينا فيما كان بين بني قريظة الذليلة، وبني النضير العزيزة ؛ حتى جاءهم محمد [ ص ] فردهم إلى شريعة الله - شريعة المساواة.. ورفع جباه الأذلاء منهم فساواها بجباه الأعزاء !
والقصاص على هذا الأساس العظيم - فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان - هو العقاب الرادع الذي يجعل من يتجه إلى الاعتداء على النفس بالقتل، أو الاعتداء عليها بالجرح والكسر، يفكر مرتين ومرات قبل أن يقدم على ما حدثته به نفسه، وما زينه له اندفاعه ؛ وهو يعلم أنه مأخوذ بالقتل إن قتل - دون نظر إلى نسبه أو مركزه، أو طبقته، أو جنسه - وأنه مأخوذ بمثل ما أحدث من الإصابة. إذا قطع يدا أو رجلا قطعت يده أو رجله ؛ وإذا أتلف عينا أو أذنا أو سنا، أتلف من جسمه ما يقابل العضو الذي أتلفه.. وليس الأمر كذلك حين يعلم أن جزاءه هو السجن - طالت مدة السجن أو قصرت - فالألم في البدن، والنقص في الكيان، والتشويه في الخلقة شيء آخر غير الآم السجن.. على نحو ما سبق بيانه في حد السرقة.. والقصاص على هذا الأساس العظيم - فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان - هو القضاء الذي تستريح إليه الفطرة ؛ والذي يذهب بحزازات النفوس، وجراحات القلوب، والذي يسكن فورات الثأر الجامحة، التي يقودها الغضب الأعمى وحمية الجاهلية.. وقد يقبل بعضهم الدية في القتل والتعويض في الجراحات. ولكن بعض النفوس لا يشفيها إلا القصاص..
وشرع الله في الإسلام يلحظ الفطرة - كما لحظها شرع الله في التوراة - حتى إذا ضمن لها القصاص المريح.. راح يناشد فيها وجدان السماحة والعفو - عفو القادر على القصاص :
( فمن تصدق به فهو كفارة له )
من تصدق بالقصاص متطوعا.. سواء كان هو ولي الدم في حالة القتل [ والصدقة تكون بأخذ الدية مكان القصاص، أو بالتنازل عن الدم والدية معا وهذا من حق الولي، إذ العقوبة والعفو متروكان له ويبقى للإمام تغزيز القاتل بما يراه ] أو كان هو صاحب الحق في حالة الجروج كلها، فتنازل عن القصاص.. من تصدق فصدقته هذه كفارة لذنوبه ؛ يحط بها الله عنه.
وكثيرا ما تستجيش هذه الدعوة إلى السماحة والعفو، وتعليق القلب بعفو الله ومغفرته. نفوسا لا يغنيها العوض المالي ؛ ولا يسليها القصاص ذاته عمن فقدت أو عما فقدت.. فماذا يعود على ولي المقتول من قتل القاتل ؟ أو ماذا يعوضه من مال عمن فقد ؟.. إنه غاية ما يستطاع في الأرض لإقامة العدل، وتأمين الجماعة.. ولكن تبقى في النفس بقية لا يمسح عليها إلا تعليق القلوب بالعوض الذي يجيء من عند الله..
روى الإمام أحمد. قال : حدثنا وكيع، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر، قال " كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار. فاستعدى عليه معاوية. فقال معاوية : سنرضيه.. فألح الأنصاري.. فقال معاويه : شأنك بصاحبك ! - وأبو الدرداء جالس - فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله [ ص ] يقول :" ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة، أو حط به عنه خطيئة ".. فقال الأنصارى : فإني قد عفوت "..
وهكذا رضيت نفس الرجل واستراحت بما لم ترض من مال معاوية الذي لوح له به التعويض..
وتلك شريعة الله العليم بخلقة ؛ وبما يحيك في نفوسهم من مشاعر وخواطر، وبما يتعمق قلوبهم ويرضيها ؛ ويكسب فيها الاطمئنان والسلام من الأحكام.
وبعد عرض هذا الطرف من شريعة التوراة، التي صارت طرفا من شريعة القرآن، يعقب بالحكم العام :
( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )..
والتعبير عام، ليس هناك ما يخصصه ؛ ولكن الوصف الجديد هنا هو( الظالمون ).
وهذا الوصف الجديد لا يعني أنها حالة أخرى غير التي سبق الوصف فيها بالكفر. وإنما يعني إضافة صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله. فهو كافر باعتباره رافضا لألوهية الله - سبحانه - واختصاصه بالتشريع لعباده، وبادعائه هو حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس. وهو ظالم بحمل الناس على شريعة غير شريعة ربهم، الصالحة المصلحة لأحوالهم. فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة، وتعرضها لعقاب الكفر. وبتعريض حياة الناس - وهو معهم - للفساد.
وهذا ما يقتضيه اتحاد المسند إليه وفعل الشرط :( ومن لم يحكم بما أنزل الله ).. فجواب الشرط الثاني يضاف إلى جواب الشرط الأول ؛ ويعود كلاهما على المسند إليه في فعل الشرط وهو ( من ) المطلق العام.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير