المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه عجب حال اليهود من تركهم حكم التوراة وهم يعلمونه وطلبهم من البني صلى الله عليه وسلم الحكم بينهم ورضاهم به إذا وافق أهواءهم وتركهم له إذا جاء على غير ما يريدون.
ذكر أمر التوراة وأنها أنزلت هداية لنبي إسرائيل ثم أعرضوا عن العمل بها لما عرض لهم من الفساد وفي ذلك من العبرة أن الانتماء إلى الدين لا ينفع أهله إذا لم يقيموه ويهتدوا بهديه وأن إيثار أهل الكتاب أهواءهم على هدي دينهم هو الذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به
تفسير المفردات :
قفاه به تقفية : جعله يقفو أثره كما قال : وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ( البقرة : ٨٧ )
الإيضاح :
وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة أي وبعثنا عيسى ابن مريم بعد هؤلاء النبيين الذين كانوا يحكمون بالتوراة متبعا طريقهم جاريا على هديهم مصدقا للتوراة التي تقدمته بقوله وعمله فشريعة عيسى عليه السلام هي التوراة وقد نقلوا عنه في أناجيلهم أنه قال ما جئت لأنقض الناموس ( شريعة التوراة ) وإنما جئت لاتمم – أي لأزيد عليها ما شاء الله أن أزيد من الأحكام والمواعظ ولكن النصارى نسخوها وتركوا العمل بها اتباعا لبولس.
وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين أي وأعطيناه الإنجيل حال كونه مشتملا على الهدى ومنقذا من الضلال في العقائد والأعمال كالتوحيد والتنزيه النافي للوثنية التي هي مصدر الخرافات والأباطيل.
و على النور الذي يبصر به طالب الحق طريقة الموصل إليه وهو مصدق للتوراة التي تقدمته أي إنه مشتمل على النص بتصديقها زيادة على تصديق المسيح لها بقوله وعلمه.
و قد وصف القرآن الإنجيل بمثل ما وصف به التوراة وبكونه مصدقا لها وجعله هدى وموعظة للمتقين لأنهم هم الذين ينتفعون بهداه لحرصهم عليه وعنايتهم به :
و السر في ذلك أن أسرار الشريعة وبيان حكمتها والمقصد منها ومعرفة أن بعد هذه التوراة وهذا الإنجيل هداية أعم وأشمل وهي التي يجيء بها النبي الأخير ( البارقليط )الأعظم.
تفسير المراغي
المراغي