ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ

يَنْقُلُونَ عَنْهُ فِي أَنَاجِيلِهِمْ، أَنَّهُ مَا جَاءَ لِيَنْقُضَ النَّامُوسَ (أَيْ شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ) وَإِنَّمَا جَاءَ لِيُتَمِّمَ ; أَيْ لِيَزِيدَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَزِيدَ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ وَالْمَوَاعِظِ الرُّوحِيَّةِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) أَيْ أَعْطَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ مُشْتَمِلًا عَلَى هُدًى مِنَ الضَّلَالِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ ; كَالتَّوْحِيدِ النَّافِي لِلْوَثَنِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَصْدَرُ الْخُرَافَاتِ وَالْأَبَاطِيلِ، وَنُورٌ يُبْصِرُ بِهِ طَالِبُ الْحَقِّ طَرِيقَهُ الْمُوَصِّلَ إِلَيْهِ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْأَمْثَالِ وَالْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ، وَمُصَدِّقًا لِلتَّوْرَاةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ ; أَيْ مُشْتَمِلًا عَلَى النَّصِّ بِتَصْدِيقِ التَّوْرَاةِ، وَهَذَا غَيْرُ تَصْدِيقِ الْمَسِيحِ لَهَا بِقَوْلِهِ وَعَمَلِهِ أَوْ حَالِهِ، وَصَفَهُ بِمِثْلِ مَا وَصَفَ بِهِ التَّوْرَاةَ، وَبِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَهَا، ثُمَّ زَادَ فِي وَصْفِهِ عَطْفًا عَلَى تِلْكَ الْأَحْوَالِ
فَجَعَلَهُ نَفْسَهُ هُدًى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَلَعَلَّهُ مَا انْفَرَدَ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الرُّوحِيَّةِ وَالْمَوَاعِظِ الْأَدَبِيَّةِ، وَزَلْزَلَةِ ذَلِكَ الْجُمُودِ الْإِسْرَائِيلِيِّ الْمَادِّيِّ، وَزَعْزَعَةِ ذَلِكَ الْغُرُورِ الَّذِي كَانَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِيسِيُّونَ مِنَ الْيَهُودِ مَفْتُونِينَ بِهِ. وَخُصَّ هَذَا النَّوْعُ بِالْمُتَّقِينَ ; لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ ; إِذْ لَا يَفُوتُهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْكِتَابِ لِحِرْصِهِمْ عَلَيْهِ وَعِنَايَتِهِمْ بِهِ، وَالْحِكْمَةُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْهُدَى وَالْمَوْعِظَةِ فِقْهُ أَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ وَمَعْرِفَةُ حِكْمَتِهَا وَالْمَقْصِدِ مِنْهَا، وَالْعِلْمُ بِأَنَّ وَرَاءَ تِلْكَ التَّوْرَاةِ وَهَذَا الْإِنْجِيلِ هِدَايَةً أَتَمَّ وَأَكْمَلَ، وَدِينًا أَعَمَّ وَأَشْمَلَ، وَهُوَ الَّذِي يَجِيءُ بِهِ النَّبِيُّ الْأَخِيرُ (الْبَارَقْلِيطُ) الْأَعْظَمُ، وَلَوْلَا زِلْزَالُ الْإِنْجِيلِ فِي جُمْلَتِهِ لِتِلْكَ التَّقَالِيدِ، وَزَعْزَعَتُهُ لِذَلِكَ الْغُرُورِ، وَأُنْسُ النَّاسِ بِمَا حُفِظَ مِنْ تَعَالِيمِهِ عِدَّةَ قُرُونٍ، لَمَا انْتَشَرَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي سُورِيَّةَ وَمِصْرَ وَبَيْنَ النَّهْرَيْنِ بِتِلْكَ السُّرْعَةِ.
(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ " وَلْيَحْكُمْ " بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَهُوَ حِكَايَةٌ حُذِفَ مِنْهَا لَفْظُ الْقَوْلِ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، أَيْ وَقُلْنَا: لِيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَهُ اللهُ فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ ; أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي أَهْلِ التَّوْرَاةِ: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا) كَذَا وَكَذَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ " وَلِيَحْكُمَ " بِكَسْرِ اللَّامِ ; أَيْ وَلِأَجْلِ أَنْ يَحْكُمَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (وَهُدًى وَمَوْعِظَةً) مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ، وَعَطْفُ " وَلِيَحْكُمَ " عَلَيْهِ مَعَ إِظْهَارِ اللَّامِ لِاخْتِلَافِ الْفَاعِلِ. وَكَيْفَمَا قَرَأْتَ وَفَسَّرْتَ لَا تَجِدُ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْمُرُ النَّصَارَى فِي الْقُرْآنِ بِالْحُكْمِ بِالْإِنْجِيلِ، كَمَا يَزْعُمُ دُعَاةُ النَّصْرَانِيَّةِ بِمَا يُغَالِطُونَ بِهِ عَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى لَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلتَّعْجِيزِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ; فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْعَمَلَ بِالْإِنْجِيلِ، وَلَنْ يَسْتَطِيعُوهُ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَحْثِ تَتِمَّةٌ.
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) أَيْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَارِجُونَ مِنْ حَظِيرَةِ الدِّينِ، الَّذِينَ لَا يُعَدُّونَ مِنْهُ فِي شَيْءٍ، أَوِ الْخَارِجُونَ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ، الْمُتَجَاوِزُونَ لِأَحْكَامِهِ وَآدَابِهِ.

صفحة رقم 332

وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَاتِ، أَنَّ قَوْلَهُ: (فَأُولَئِكَ هُمْ)... إِلَخْ، رَاجِعٌ إِلَى " وَمَنْ " بِحَسَبَ مَعْنَاهَا ; فَإِنَّهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ. وَأَمَّا فِعْلُ " يَحْكُمُ " فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى لَفْظِهَا، وَهُوَ مُفْرَدٌ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ، يُرَاعِي اللَّفْظَ فِي الْأَوَّلِ لِقُرْبِهِ، وَيُرَاعِي الْمَعْنَى فِيمَا بَعْدَهُ.
(بَحْثٌ فِي عَدَمِ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَكَوْنِهِ كُفْرًا وَظُلْمًا وَفِسْقًا) الْكُفْرُ وَالظُّلْمُ وَالْفِسْقُ كَلِمَاتٌ تَتَوَارَدُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَرِدُ بِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرٍ (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٢: ٢٥٤) مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَقَدِ اصْطَلَحَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ عَلَى التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الْكُفْرِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمِلَّةِ، وَمَا يُنَافِي دِينَ اللهِ الْحَقَّ، دُونَ لَفْظَيِ الظُّلْمِ وَالْفِسْقِ، وَلَا يَسَعُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِنْكَارُ إِطْلَاقِ الْقُرْآنِ لَفْظَ الْكُفْرِ عَلَى مَا لَيْسَ كُفْرًا فِي عُرْفِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: " كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ "، وَلَا إِطْلَاقِهِ لَفْظَيِ الظُّلْمِ وَالْفِسْقِ عَلَى مَا هُوَ كُفْرٌ فِي عُرْفِهِمْ، وَمَا كُلُّ ظُلْمٍ أَوْ فِسْقٍ يُعَدُّ كُفْرًا عِنْدَهُمْ، بَلْ لَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْكُفْرِ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يُسَمُّونَهُ ظُلْمًا أَوْ فِسْقًا ; لِأَجْلِ هَذَا كَانَ الْحُكْمُ الْقَاطِعُ بِالْكُفْرِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مَحَلًّا لِلْبَحْثِ وَالتَّأْوِيلِ عِنْدَ مَنْ يُوَفِّقُ بَيْنَ عُرْفِهِ وَنُصُوصِ الْقُرْآنِ.
وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْمَأْثُورِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ نَرَاهُمْ نَقَلُوا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَقْوَالًا، مِنْهَا قَوْلُهُ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وَفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ، وَمِنْهَا أَنَّ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ فِي الْيَهُودِ خَاصَّةً، لَيْسَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ فِي الْيَهُودِ، وَالثَّالِثَةَ فِي النَّصَارَى، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَنْفِي أَنْ يَنَالَ هَذَا الْوَعِيدُ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنَّا مِثْلَهُمْ، وَأَعْرَضَ عَنْ كِتَابِهِ إِعْرَاضَهُمْ عَنْ كُتُبِهِمْ، وَالْقُرْآنُ عِبْرَةٌ يَعْبُرُ بِهِ الْعَقْلُ مِنْ فَهْمِ الشَّيْءِ إِلَى مِثْلِهِ. وَقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عِنْدَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ حُذَيْفَةُ: نِعْمَ الْإِخْوَةُ لَكُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ; أَنْ كَانَ لَكُمْ كُلُّ حُلْوَةٍ وَلَهُمْ كُلُّ مُرَّةٍ، كَلَّا وَاللهِ لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهُمْ قَدَّ الشِّرَاكِ (أَيْ سَيْرَ النَّعْلِ) عَزَاهُ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ إِلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَابْنِ جَرِيرٍ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمِ، وَصَحَّحَهُ.
(قَالَ) : وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ ; إِنْ كَانَ مَا كَانَ مِنْ حُلْوٍ فَهُوَ لَكُمْ، وَمَا كَانَ مِنْ مُرٍّ فَهُوَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُسْلِمِينَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ "، قَالَ: فَقُلْتُ: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَنْزِلْ عَلَيْنَا، قَالَ: اقْرَأْ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ: لَا بَلْ نَزَلَتْ عَلَيْنَا، ثُمَّ لَقِيتُ مِقْسَمًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، قُلْتُ: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَنْزِلْ عَلَيْنَا،
قَالَ: إِنَّهُ نَزَلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَنَزَلَ عَلَيْنَا، وَمَا نَزَلَ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ فَهُوَ لَنَا وَلَهُمْ. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَسَأَلْتُهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ مَا قَالَهُ سَعِيدٌ وَمِقْسَمٌ، قَالَ:

صفحة رقم 333

قَالَ: صَدَقَ، وَلَكِنَّهُ كُفْرٌ لَيْسَ كَكُفْرِ الشِّرْكِ، وَظُلْمٌ لَيْسَ كَظُلْمِ الشِّرْكِ، وَفِسْقٌ لَيْسَ كَفِسْقِ الشِّرْكِ، فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لِابْنِهِ: كَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ فَضْلًا عَظِيمًا عَلَيْكَ وَعَلَى مِقْسَمٍ "، وَالْمُرَادُ أَنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ أَوْ تَرْكَهُ إِلَى غَيْرِهِ - وَهُوَ الْمُرَادُ - لَا يُعَدُّ كُفْرًا بِمَعْنَى الْخُرُوجِ مِنَ الدِّينِ، بَلْ بِمَعْنَى أَكْبَرِ الْمَعَاصِي.
وَأَقُولُ: إِنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ أَوْ خَوَاتِمِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. يُرَادُ بِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِهِمْ، لَا أَنَّهَا فِي كِتَابِهِمْ ; إِذْ لَا شَيْءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَحْكِيَّةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ خَطَأٌ، وَالْأُولَيَانِ مِنْهَا فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَى الْيَهُودِ، وَالثَّالِثَةُ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَى النَّصَارَى، لَا يَجُوزُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَعِبَارَتُهَا عَامَّةٌ، لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ، وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ إِرَادَةِ الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ فِي الْأُولَى، وَكَذَا الْأُخْرَيَانِ، إِذَا كَانَ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ نَاشِئًا عَنِ اسْتِقْبَاحِهِ وَعَدَمِ الْإِذْعَانِ لَهُ، وَتَفْضِيلِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنَ السِّيَاقِ فِي الْأُولَى بِمَعُونَةِ سَبَبِ النُّزُولِ كَمَا رَأَيْتَ فِي تَصْوِيرِنَا لِلْمَعْنَى.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ الْآيَاتِ أَدْنَى تَأَمُّلٍ، تَظْهَرُ لَكَ نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِوَصْفِ الْكُفْرِ فِي الْأُولَى، وَبِوَصْفِ الظُّلْمِ فِي الثَّانِيَةِ، وَبِوَصْفِ الْفُسُوقِ فِي الثَّالِثَةِ، فَالْأَلْفَاظُ وَرَدَتْ بِمَعَانِيهَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ مُوَافِقَةً لِاصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ. فَفِي الْآيَةِ الْأُولَى كَانَ الْكَلَامُ فِي التَّشْرِيعِ وَإِنْزَالِ الْكِتَابِ مُشْتَمِلًا عَلَى الْهُدَى وَالنُّورِ وَالْتِزَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَحُكَمَاءِ الْعُلَمَاءِ الْعَمَلَ وَالْحُكْمَ بِهِ، وَالْوَصِيَّةَ بِحِفْظِهِ. وَخُتِمَ الْكَلَامُ بِبَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُعْرِضٍ عَنِ الْحُكْمِ بِهِ لِعَدَمِ الْإِذْعَانِ لَهُ، رَغْبَةً عَنْ هِدَايَتِهِ وَنُورِهِ، مُؤْثِرًا لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ، فَهُوَ الْكَافِرُ بِهِ، وَهَذَا وَاضِحٌ، لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ، أَوْ مَنْ تَرَكَ الْحُكْمَ بِهِ عَنْ جَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللهِ، وَهَذَا هُوَ الْعَاصِي بِتَرْكِ الْحُكْمِ، الَّذِي يَتَحَامَى أَهْلُ السُّنَّةِ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِ،
وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَلَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ فِيهَا فِي أَصْلِ الْكِتَابِ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْإِيمَانِ وَتُرْجُمَانُ الدِّينِ، بَلْ فِي عِقَابِ الْمُعْتَدِينَ عَلَى الْأَنْفُسِ أَوِ الْأَعْضَاءِ بِالْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ، فَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِذَلِكَ فَهُوَ الظَّالِمُ فِي حُكْمِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ فِي بَيَانِ هِدَايَةِ الْإِنْجِيلِ، وَأَكْثَرُهَا مَوَاعِظُ وَآدَابٌ وَتَرْغِيبٌ فِي إِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُطَابِقُ مُرَادَ الشَّارِعِ وَحِكْمَتَهُ، لَا بِحَسَبِ ظَوَاهِرِ الْأَلْفَاظِ فَقَطْ، فَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ، مِمَّنْ خُوطِبُوا بِهَا، فَهُمُ الْفَاسِقُونَ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ مُحِيطِ تَأْدِيبِ الشَّرِيعَةِ.
وَقَدِ اسْتَحْدَثَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ نَحْوَ مَا اسْتَحْدَثَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَتَرَكُوا بِالْحُكْمِ بِهَا بَعْضَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَالَّذِينَ يَتْرُكُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي كِتَابِهِ

صفحة رقم 334

مِنَ الْأَحْكَامِ، مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ مَا قَالَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الْآيَاتِ الثَّلَاثِ، أَوْ فِي بَعْضِهَا، كُلٌّ بِحَسَبِ حَالِهِ، فَمَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْحُكْمِ بِحَدِّ السَّرِقَةِ أَوِ الْقَذْفِ أَوِ الزِّنَا غَيْرَ مُذْعِنٍ لَهُ ; لِاسْتِقْبَاحِهِ إِيَّاهُ، وَتَفْضِيلِ غَيْرِهِ مِنْ أَوْضَاعِ الْبَشَرِ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَافِرٌ قَطْعًا، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ لِعِلَّةٍ أُخْرَى فَهُوَ ظَالِمٌ، إِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ إِضَاعَةُ الْحَقِّ، أَوْ تَرْكُ الْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ فِيهِ، وَإِلَّا فَهُوَ فَاسِقٌ فَقَطْ ; إِذْ لَفَظُ الْفِسْقِ أَعَمُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، فَكُلُّ كَافِرٍ وَكُلُّ ظَالِمٍ فَاسِقٌ، وَلَا عَكْسَ، وَحُكْمُ اللهِ الْعَامُّ - الْمُطْلَقُ الشَّامِلُ لِمَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ وَلِغَيْرِهِ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ هُوَ الْعَدْلُ، فَحَيْثُمَا وُجِدَ الْعَدْلُ فَهُنَاكَ حُكْمُ اللهِ كَمَا قَالَ أَحَدُ الْأَعْلَامِ.
وَلَكِنْ مَتَى وُجِدَ النَّصُّ الْقَطْعِيُّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، إِلَّا إِذَا عَارَضَهُ نَصٌّ آخَرُ اقْتَضَى تَرْجِيحَهُ عَلَيْهِ كَنَصِّ رَفْعِ الْحَرَجِ فِي بَابِ الضَّرُورَاتِ. وَقَدْ كَانَ مَوْلَوِيُّ نُورُ الدِّينِ مُفْتِي بِنْجَابَ مِنَ الْهِنْدِ، سَأَلَ شَيْخَنَا الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ أَسْئِلَةٍ، مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْحُكْمِ بِالْقَوَانِينِ الْإِنْكِلِيزِيَّةِ، فَحَوَّلَهَا إِلَيَّ الْأُسْتَاذُ لِأُجِيبَ عَنْهَا، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ فِي أَمْثَالِهَا أَحْيَانًا، وَهَذَا نَصُّ جَوَابِي عَنْ مَسْأَلَةِ الْحُكْمِ بِالْقَوَانِينِ الْإِنْكِلِيزِيَّةِ فِي الْهِنْدِ، وَهُوَ الْفَتْوَى الْـ ٧٧ مِنْ فَتَاوَى الْمُجَلَّدِ السَّابِعِ مِنَ الْمَنَارِ.
(الْحُكْمُ بِالْقَوَانِينِ الْإِنْكِلِيزِيَّةِ فِي الْهِنْدِ) (س ٧٧) وَمِنْهُ: أَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الْمُسْتَخْدَمِ عِنْدَ الْإِنْكِلِيزِ الْحُكْمُ بِالْقَوَانِينِ الْإِنْكِلِيزِيَّةِ، وَفِيهَا الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ؟ (ج) إِنَّ هَذَا السُّؤَالَ يَتَضَمَّنُ مَسَائِلَ مِنْ أَكْبَرِ مُشْكِلَاتِ هَذَا الْعَصْرِ؛ كَحُكْمِ الْمُؤَلِّفِينَ لِلْقَوَانِينِ وَوَاضِعِيهَا لِحُكُومَاتِهِمْ، وَحُكْمِ الْحَاكِمَيْنِ بِهَا، وَالْفَرْقِ بَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ فِيهَا، وَإِنَّنَا نَرَى كَثِيرِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَدَيِّنِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ قُضَاةَ الْمَحَاكِمِ الْأَهْلِيَّةِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِالْقَانُونِ كُفَّارٌ ; أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وَيَسْتَلْزِمُ الْحُكْمُ بِتَكْفِيرِ الْقَاضِي الْحَاكِمِ بِالْقَانُونِ تَكْفِيرَ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ الْوَاضِعِينَ لِلْقَوَانِينِ ; فَإِنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَلَّفُوهَا بِمَعَارِفِهِمْ، فَإِنَّهَا وُضِعَتْ بِإِذْنِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يُوَلُّونَ الْحُكَّامَ لِيَحْكُمُوا بِهَا، وَيَقُولُ الْحَاكِمُ مِنْ هَؤُلَاءِ: أَحْكُمُ بِاسْمِ الْأَمِيرِ فُلَانٍ ; لِأَنَّنِي نَائِبٌ عَنْهُ بِإِذْنِهِ، وَيُطْلِقُونَ عَلَى الْأَمِيرِ لَفْظَ (الشَّارِعِ).
أَمَّا ظَاهِرُ الْآيَةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ الْمَشْهُورِينَ، بَلْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ قَطُّ، فَإِنَّ ظَاهِرَهَا يَتَنَاوَلُ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مُطْلَقًا؛ سَوَاءٌ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى أَمْ لَا، وَهَذَا لَا يُكَفِّرُهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ الْفُسَّاقَ بِالْمَعَاصِي، وَمِنْهَا الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي الْآيَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْيَهُودِ، وَهُوَ

صفحة رقم 335

مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّمَا أَنْزَلَ اللهُ " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَالظَّالِمُونَ، وَالْفَاسِقُونَ " فِي الْيَهُودِ خَاصَّةً، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: الثَّلَاثُ الْآيَاتِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ "... إِلَخْ لَيْسَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْهَا شَيْءٌ، هِيَ فِي الْكُفَّارِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ الْأَوْلَى الَّتِي فِيهَا الْحُكْمُ بِالْكُفْرِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالثَّانِيَةَ الَّتِي فِيهَا الْحُكْمُ بِالظُّلْمِ لِلْيَهُودِ، وَالثَّالِثَةَ الَّتِي فِيهَا الْحُكْمُ بِالْفِسْقِ لِلنَّصَارَى، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى الْعُمُومِ فِيهَا كُلِّهَا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ حُذَيْفَةَ لِمَنْ قَالَ إِنَّهَا كُلَّهَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: نِعْمَ الْإِخْوَةُ لَكُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ; أَنْ كَانَ لَكُمْ كُلُّ حُلْوَةٍ وَلَهُمْ كُلُّ مُرَّةٍ، كَلَّا وَاللهِ لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهُمْ قَدَّ الشِّرَاكِ. رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَأَوَّلَ هَذَا الْفَرِيقُ الْآيَةَ بِتَأْوِيلَيْنِ؛ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْكُفَّارَ هُنَا وَرَدَ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ لِلتَّغْلِيظِ لَا مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الْمِلَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ
فِي السُّنَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكُفْرِ الْوَاقِعِ فِي إِحْدَى الْآيَاتِ الثَّلَاثِ: إِنَّهُ لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، إِنَّهُ لَيْسَ كُفْرًا يَنْقِلُ عَنِ الْمِلَّةِ، كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْكُفْرَ مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ مَعْرُوفٍ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مُنْكِرًا لَهُ أَوْ رَاغِبًا عَنْهُ لِاعْتِقَادِهِ بِأَنَّهُ ظُلْمٌ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ حُكْمُ اللهِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُجَامِعُ الْإِيمَانَ وَالْإِذْعَانَ، وَلَعَمْرِي إِنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْأُمَرَاءِ الْوَاضِعِينَ لِلْقَوَانِينِ أَشَدُّ، وَالْجَوَابُ عَنْهُمْ أَعْسَرُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ فِي حَقِّهِمْ لَا يَظْهَرُ، وَإِنَّ الْعَقْلَ لَيَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَوَّرَ أَنَّ مُؤْمِنًا مُذْعِنًا لِدِينِ اللهِ يَعْتَقِدُ أَنَّ كِتَابَهُ يَفْرِضُ عَلَيْهِ حُكْمًا، ثُمَّ هُوَ يُغَيِّرُهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَيَسْتَبْدِلُ بِهِ حُكْمًا آخَرَ بِإِرَادَتِهِ ; إِعْرَاضًا عَنْهُ، وَتَفْضِيلًا لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَيُعْتَدُّ مَعَ ذَلِكَ بِإِيمَانِهِ وَإِسْلَامِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ مَعَ مِثْلِ هَذَا الْحَاكِمِ، أَنْ يُلْزِمُوهُ بِإِبْطَالِ مَا وَضَعَهُ مُخَالِفًا لِحُكْمِ اللهِ، وَلَا يَكْتَفُوا بِعَدَمِ مُسَاعَدَتِهِ عَلَيْهِ، وَمُشَايَعَتِهِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَالدَّارُ لَا تُعْتَبَرُ دَارَ إِسْلَامٍ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلِلْأَحْكَامِ فِيهَا حُكْمٌ آخَرُ، وَهَاهُنَا يَجِيءُ سُؤَالُ السَّائِلِ. وَقَبْلَ الْجَوَابِ عَنْهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَسْأَلَةٍ يَشْتَبِهُ الصَّوَابُ فِيهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ: إِذَا غَلَبَ الْعَدُوُّ عَلَى بَعْضِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِمُ الْهِجْرَةُ؛ فَهَلِ الصَّوَابُ أَنْ يَتْرُكُوا لَهُ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ، وَلَا يَتَوَلَّوْا لَهُ عَمَلًا أَمْ لَا؟ يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْعَمَلَ لِلْكَافِرِ لَا يَحِلُّ بِحَالٍ، وَالظَّاهِرُ لَنَا أَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ الْمُسْلِمَ إِلَّا الْمُسْلِمُ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِشَرِيعَتِهِ، وَقَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا الْعَادِلَةِ، يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْعَى فِي كُلِّ مَكَانٍ بِإِقَامَةِ مَا يَسْتَطِيعُ إِقَامَتَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَأَنْ يَحُولَ دُونَ تَحَكُّمِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُسْلِمِينَ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَبِهَذَا الْقَصْدِ يَجُوزُ لَهُ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَ الْعَمَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، إِلَّا إِذَا

صفحة رقم 336

عَلِمَ أَنَّ عَمَلَهُ يَضُرُّ الْمَسْلِمِينَ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، بَلْ يَكُونُ نَفْعُهُ مَحْصُورًا فِي غَيْرِهِمْ، وَمُعِينًا لِلْمُتَغَلِّبِ عَلَى الْإِجْهَازِ عَلَيْهِمْ. وَإِذَا هُوَ تَوَلَّى لَهُمُ الْعَمَلَ وَكُلِّفَ الْحُكْمَ بِقَوَانِينِهِمْ فَمَاذَا يَفْعَلُ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ؟ أَقُولُ: إِنَّ الْأَحْكَامَ الْمُنَزَّلَةَ مِنَ اللهِ تَعَالَى مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ نَفْسِهِ ; كَأَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَهِيَ لَا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهَا بِحَالٍ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا ; كَالْعُقُوبَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْمَدَنِيَّةِ، وَالْمُنَزَّلُ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ قَلِيلٌ، وَأَكْثَرُهَا مَوْكُولٌ إِلَى الِاجْتِهَادِ، وَأَهَمُّ الْمُنَزَّلِ وَآكَدُهُ الْحُدُودُ فِي الْعُقُوبَاتِ - وَسَائِرُ الْعُقُوبَاتِ تَعْزِيرٌ
مُفَوَّضٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ - وَالرِّبَا فِي الْأَحْكَامِ الْمَدَنِيَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ النَّهْيُ عَنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَأَجَازَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الرِّبَا فِيهَا، بَلْ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ جَمِيعَ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ جَائِزَةٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمُنَاحَبَةِ (مُرَاهَنَةِ) أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ عَلَى أَنَّ الرُّومَ يَغْلِبُونَ الْفُرْسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، وَإِجَازَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ، وَصَرَّحُوا بِعَدَمِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِيهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَحُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. قَالَ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ: " وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ لَا تُقَامُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَذَكَرَهَا أَبُو الْقَاسِمِ الْخِرَقِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، فَقَالَ: لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مُسْلِمٍ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ. وَقَدْ أُتِيَ بُسْرُ بْنُ أَرْطَأَةَ بِرَجُلٍ مِنَ الْغُزَاةِ قَدْ سَرَقَ مِجَنَّةً، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِيَ فِي الْغَزْوِ لَقَطَعْتُكَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ: وَهُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ. رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى النَّاسِ أَلَّا يَجْلِدُوا أَمِيرَ جَيْشٍ وَلَا سَرِيَّةٍ، وَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَدًّا، وَهُوَ غَازٍ، حَتَّى يَقْطَعَ الدَّرْبَ قَافِلًا ; لِئَلَّا تَلْحَقَهُ حَمِيَّةُ الشَّيْطَانِ، فَيَلْحَقَ بِالْكُفَّارِ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَرْكَ سَعْدٍ إِقَامَةَ حَدِّ السُّكْرِ عَلَى أَبِي مِحْجَنٍ فِي وَقْعَةِ الْقَادِسِيَّةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ لَا حَدَّ عَلَى مُسْلِمٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَكِنْ عَلَّلَهُ تَعْلِيلًا آخَرَ، لَيْسَ هَذَا مَحَلُّ ذِكْرِهِ، وَانْظُرْ تَعْلِيلَ عُمَرَ تَجِدْهُ يَصِحُّ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ.
فَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْقَضَائِيَّةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ تَعَالَى قَلِيلَةٌ جِدًّا، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا قِيلَ فِي إِقَامَتِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِذَا كَانَتِ الْحُدُودُ لَا تُقَامُ هُنَاكَ فَقَدْ عَادَتْ أَحْكَامُ الْعُقُوبَاتِ كُلُّهَا إِلَى التَّعْزِيرِ الَّذِي يُفَوَّضُ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَالْأَحْكَامُ الْمَدَنِيَّةُ أَوْلَى بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا اجْتِهَادِيَّةٌ أَيْضًا، وَالنُّصُوصُ الْقَطْعِيَّةُ فِيهَا عَنِ الشَّارِعِ قَلِيلَةٌ جِدًّا، وَإِذَا رَجَعَتِ الْأَحْكَامُ هُنَاكَ إِلَى الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فِي تَحَرِّي الْعَدْلِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَأَجَزْنَا لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا عِنْدَ الْحَرْبِيِّ فِي بِلَادِهِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ مِنَ الْحُكْمِ بِقَانُونِهِ لِأَجْلِ

صفحة رقم 337

مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَصْلَحَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَانُونُ ضَارًّا بِالْمُسْلِمِينَ ظَالِمًا لَهُمْ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ، وَلَا أَنْ يَتَوَلَّى الْعَمَلَ لِوَاضِعِهِ إِعَانَةً لَهُ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَيْسَتْ مَحِلًّا لِإِقَامَةِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ؛ وَلِذَلِكَ تَجِبُ الْهِجْرَةُ مِنْهَا إِلَّا لِعُذْرٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ يُؤْمَنُ مَعَهَا مِنَ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ، وَعَلَى مَنْ أَقَامَ أَنْ يَخْدِمَ الْمُسْلِمِينَ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ، وَيُقَوِّيَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ، وَلَا وَسِيلَةَ لِتَقْوِيَةِ نُفُوذِ الْإِسْلَامِ وَحِفْظِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ تَقَلُّدِ أَعْمَالِ الْحُكُومَةِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الْحُكُومَةُ مُتَسَاهِلَةً قَرِيبَةً مِنَ الْعَدْلِ بَيْنَ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَالْمِلَلِ كَالْحُكُومَةِ الْإِنْكِلِيزِيَّةِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ قَوَانِينَ هَذِهِ الدَّوْلَةِ أَقْرَبُ إِلَى الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ غَيْرِهَا ; لِأَنَّهَا تُفَوِّضُ أَكْثَرَ الْأُمُورِ إِلَى اجْتِهَادِ الْقُضَاةِ، فَمَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَوَلَّى الْقَضَاءَ فِي الْهِنْدِ بِصِحَّةِ قَصْدٍ وَحُسْنِ نِيَّةٍ يَتَيَسَّرُ لَهُ أَنْ يَخْدُمَ الْمُسْلِمِينَ خِدْمَةً جَلِيلَةً، وَظَاهِرٌ أَنَّ تَرْكَ أَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْغَيْرَةِ لِلْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْحُكُومَةِ ; تَأَثُّمًا مِنَ الْعَمَلِ بِقَوَانِينِهَا، يُضَيِّعُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُعْظَمَ مَصَالِحِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَمَا نُكِبَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْهِنْدِ وَنَحْوِهَا وَتَأَخَّرُوا عَنِ الْوَثَنِيِّينَ إِلَّا بِسَبَبِ الْحِرْمَانِ مِنْ أَعْمَالِ الْحُكُومَةِ، وَلَنَا الْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْأُورُبِّيُّونَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ; إِذْ يَتَوَسَّلُونَ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ إِلَى تَقَلُّدِ الْأَحْكَامِ، وَمَتَى تَقَلَّدُوهَا حَافَظُوا عَلَى مَصَالِحِ أَبْنَاءِ مِلَّتِهِمْ وَجِنْسِهِمْ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ أَنْ صَارُوا أَصْحَابَ السِّيَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فِيهَا، وَصَارَ حُكَّامُهَا الْأَوَّلُونَ آلَاتٍ فِي أَيْدِيهِمْ.
وَالظَّاهِرُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ قَبُولَ الْمُسْلِمِ لِلْعَمَلِ فِي الْحُكُومَةِ الْإِنْكِلِيزِيَّةِ فِي الْهِنْدِ (وَمِثْلِهَا مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ) وَحُكْمَهُ بِقَانُونِهَا هُوَ رُخْصَةٌ تَدْخُلُ فِي قَاعِدَةِ ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَزِيمَةً يُقْصَدُ بِهَا تَأْيِيدُ الْإِسْلَامِ وَحِفْظُ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. ذَلِكَ أَنْ تَعُدَّهُ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نُفِّذَ بِهَا حُكْمُ الْإِمَامِ الَّذِي فَقَدَ أَكْثَرَ شُرُوطَ الْإِمَامَةِ، وَالْقَاضِيَ الَّذِي فَقَدَ أَهَمَّ شُرُوطِ الْقَضَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَجَمِيعُ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ الْيَوْمَ حُكَّامُ ضَرُورَةٍ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ تَقَلَّدَ الْعَمَلَ لِلْحَرْبِيِّ لِأَجْلِ أَنْ يَعِيشَ بِرَاتِبِهِ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْعَزِيمَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : دَارُ الْحَرْبِ بِلَادُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يُحَارِبُوا. وَكَانَتِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يُعَاهِدْنَا عَلَى السِّلْمِ يُعَدُّ مُحَارِبًا.

صفحة رقم 338

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية