قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس : قد تقدَّم إعرابُ هذا في نحو قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياوة [البقرة: ٩٦]، فَأَغَنَى عن إعادته / وقال ابنُ عطية: «اللامُ للابتداءِ»، وليس بشيء، بل هي لامٌ يُتَلَقَّى بها القسمُ. و «أشدَّ الناس» مفعول أول، و «عداوةً» نصب على التمييز. و «للذين» متعلقٌ بها، قَوِيَتْ باللامِ لَمَّا كانت فرعاً في العمل على الفعل، ولا يَضُرُّ كونُها مؤنثةً بالتاء لأنها مبنيةٌ عليها، فهي كقولهِ:
١٧٩ - ٠-...........
ورهبةٌ... عقابَك..............
ويجوزَ أن يكونَ «للذين» صفةً ل «عداوة» فيتعلَّقَ بمحذوف، و «اليهودَ» مفعولٌ ثانٍ. وقال أبو البقاء: «ويجوُ أن يكونَ اليهود هو الأولَ، و» أشدَّ «هو الثاني، وهذا هو الظاهرُ، إذ المقصودُ أَنْ يخبرَ الله تعالى عن اليهودِ والمشركين بأنَّهم أشدٌّ الناسِ عداوة للمؤمنين، وعن النصارى بأنهم أقربُ الناسِ مودةً لهم، وليس المرادُ أَنْ يخبرَ عن أشدِّ الناس وأقربهم بكونِهم من اليهودِ والنصارى. فإن قيل: متى استويا تعريفاً وتنكيراً وَجَب تقديمُ المفعولِ الأولِ وتأخيرُ الثاني كما يجب في المبتدأ والخبرِ وهذا من ذاك. فالجوابُ: أنه إنما يجب ذلك حيث أَلْبس، أما إذا دَلَّ دليلٌ على ذلك جاز التقديمُ والتأخيرُ ومنه قوله:
١٧٩ - ١- بَنُونا بنو أبنائِنا، وبناتُنا... بنوهُنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ
ف» بنوا أبناء «هو المبتدأ، و» بَنُونا «خبره، لأنَّ المعنى على تشبيهِ أولادِ الأبناء بالأبناء، ومثلُه قول الآخر:
١٧٩ - ٢- قبيلةٌ ألأَمُ الأحياءِ أكرمُها... وأَغْدُر الناسِ بالجيرانِ وافِيها
أكرمُها» هو المبتدأُ، و «ألأمُ الأحياءِ» خبرُه، وكذا «وافيها» مبتدأ و «أغدرُ الناس» خبره، والمعنى على هذا، والآيةُ من هذه القبيلِ فيما ذَكَرْتُ لك.
وقوله: والذين أَشْرَكُواْ عطفٌ على اليهود، والكلامُ على الجملة الثانيةِ كالكلام على ما قبلها. و «ذلك بأنَّ» مبتدأٌ وخبرُ، وتقدم تقريره، و «منهم» خبر «أنَّ» و «قسيسين» اسمها، وأن واسمُها وخبرها في محل جَرِّ بالباء، والباءُ ومجرورُها ههنا خبر «ذلك» والقسيسين جمع «قِسِّيس» على فِعِّيل، وهو مثالُ مبالَغَة ك «صِدِّيق» وقد تقدَّم وهو هنا رئيسُ النصارى وعابُدهم، وأصلُه من تَقَسِّسَ الشيءَ إذا تَتَّبَعَه وطَلَبه بالليل، يقال: «تقسَّسْتُ أصواتَهم» أي: تَتَبَّعْتُها بالليلِ، ويُقال لرئيس النصارى: قِسّ وقِسّيس، وللدليلِ بالليل: قَسْقَاس وقَسْقَس، قاله الراغب، وقال غيرُه: القَسُّ بفتح القاف تَتَبُّعُ الشيءِ، ومنه سُمِّي عالُم النصارى لتتبُّعِه العلمَ. قال رؤبه بن العجاج:
| ١٧٩ - ٣- أَصْبَحْنَ عن قَسِّ الأذى غَوافِلا | يَمْشِين هَوْناً خُرُداً بَهالِلا |
| ١٧٩ - ٤- لو عَرَضَتْ لأيْبُلِيٍّ قَسِّ | اشعثَ في هيكلهِ مُنْدَسِّ |
وأنشد لأمية بن أبي الصلت:
| ١٧٩ - ٥- لو كان مُنْفَلَتٌ كانت قساوسةٌ | يُحْيِيهم الَّهُ في أَيْديهم الزُّبُرُ |
| ١٧٩ - ٦- لما خَبَّرْتَنا مِنْ قولِ قَسٍّ | من الرهبانِ أكرُه أَنْ يَبُوحا |
والقُسوسة مصدرُ القِسّ والقِسِّيس «قلت: كأنه جَعَل هذا المصدرَ مشتقاً من هذا الاسمِ كالأبوّة والأخوّة والفتوّة من لفظ أب وأخ وفتى، وكنتُ قد قَدَّمْتُ أن القَسّ بالفتحِ في الاصل هو المصدرُ، وأنَّ العالِمَ سُمِّي به مبالغةً، ولا أدري ما حملَ مَنْ قال: إنه معرَّب مع وجودِ معناه في لغة العربِ كما عَرَفْتَه مِمَّا تقدم؟
والرُّهْبان: جمعُ راهبٍ كراكب ورُكْبان، وفارِس وفُرْسان. وقال أبو الهيثم.» إنَّ رهباناً يكون واحداً ويكون جمعاً «وأنشد على كونِه مفرداً قولَ الشاعر:
ولو كان جمعاً لقال:» يَعُدُون «و» نَزَلُوا «بضمير الجمع. وهذا لا حُجَّة فيه؛ لأنه قد عادَ ضميرُ المفرد على الجمعِ الصريحِ لتأوُّله بواحدٍ كقوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ [النحل: ٦٦] فالهاء في» بطونه «تعود على الأنعام، وقال:١٧٩ - ٧- لو عايَنَتْ رهبانَ دَيْرٍ في القُلَلْ لأَقْبَلَ الرُّهبانُ يَعُدُوا ونَزَلْ
١٧٩ - ٨- وطابَ البانُ اللِّقاحِ وبَرَدْ... في» برد «ضميرٌ يعودُ على» أَلْبان «وقالوا:» هو أحسنُ الفتيانِ وأجملُه «.
وقال الآخر:
١٧٩ - ٩-
| لو أنَّ قوميَ حين أَدْعُوهمْ حَمَلْ | على الجبالِ الشُّمِّ لانهدَّ الجَبَلْ |
| ١٨٠ - ٠- رُهْبانُ مَدْيَنَ والذين عَهِدْتُهُمْ | يبكون من حَذَرِ العقابِ قُعودا |
| لو يَسْمعون كما سَمِعْتُ كلامَها | خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعاً وسُجودا |
| ١٨٠ - ١- رُهبانُ مَدْيَنَ لو رَأَوْكِ تَنَزَّلُوا | والعُصْمُ مِنْ شَعَفِ العَقُولِ الفادِرِ |
في الجمع كالفرازِنَة والموازِجَة والكيالِجة وقال الليث:» الرهبانيِّةُ مصدرُ الراهبِ والترهُّبِ: التعبُّد في صومعة «، وهذا يُشْبِهُ الكلام المتقدم في ان القَسْوَسة مصدرٌ من القَسّ والقِسّيس، ولا حاجةَ إلى هذا بل الرهبانيةُ مصدرٌ بنفسِها من الترهُّب وهو التعبد أو من الرَّهَب وهو الخوف، ولذلك قال الراغب:» والرهبانيةُ غلوُّ مَنْ تحمَّل التعبُّدَ مِنْ فرطِ الرَّهْبَة «وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه المادة في قوله: وَإِيَّايَ فارهبون [البقرة: ٤٠].
قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ نسقٌ على» أنَّ «المجرورةِ بالباء أي: ذلك بما تقدَّم وبأنَّهم لا يستكبرون.
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط