( ١ ) قسيسين : جمع قس. وتعددت الأقوال في اشتقاقها ومعناها. فقيل : إنها مشتقة من قس الإبل يقسها بمعنى أحسن رعيها وسوقها. وقيل : إنها من التقسس بمعنى التجسس ونشر الأخبار وتسمع الأصوات وتعرية العظم من اللحم. ولعل القول الأول هو الأنسب. وعلى كل حال فالكلمة كانت مما يعرف العرب قبل نزول القرآن أن معناها رتبة دينية عند النصارى. وقد سمي بعضهم بها. ومن مشهوريهم قس بن ساعدة الإيادي الخطيب.
( ٢ ) رهبان : جمع راهب. وكان يطلق على المتبتل من النصارى المنقطع في دير، الذي نذر حرمان نفسه من التنعم بالزواج والولد ولذات الطعام والزينة. وقيل : إنها مشتقة من الرهبة بمعنى الخوف. أو من رهب الإبل بمعنى هزالها وكلالها. ولعل القول الثاني أنسب ؛ لأن حرمان الرهبان أنفسهم من لذات الحياة يؤدي إلى هزالهم وكلالهم، وإذا صح أن تكون من الرهبنة فينطوي فيها معنى الخوف من الله وكون ذلك هو الذي يجعل الرهبان يحرمون أنفسهم من متع الحياة ولذاتها. وعلى كل حال فالكلمة كانت مما يعرف العرب قبل الإسلام أنها تطلق على المتقشفين المتبعدين عن اللذائذ المتفرغين للعبادة من النصارى. وفي سورة الحديد إشارة إلى ذلك في صدد النصارى وفيها كلمة ( رهبانية ) وروي في مناسبتها حديثان جاء في أحدهما :( لا رهبانية في الإسلام ) تفسير الطبرسي وفي أحدهما :( لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله ) تفسير ابن كثير.
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ ( ١ ) وَرُهْبَانًا ( ٢ ) وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ( ٨٢ ) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( ٨٣ ) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( ٨٤ ) فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ( ٨٥ ) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( ٨٦ ) ( ٨٢ – ٨٦ ).
تعليق على الآية :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى.........
والآيات الأربع التالية لها وما ينطوي فيها من صور ودلالات
عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت تقريرا توكيديا بأن أشد الناس عداوة للمسلمين هم اليهود والذين أشركوا، وأقربهم مودة هم النصارى. وتعليلا لهذه المودة هو أنهم كانوا متواضعين لا يستكبرون عن الحق واتباعه. ومشهدا من مشاهد إيمان جماعة منهم فيهم القسيسون والرهبان كتعليل آخر. وقد تضمن المشهد صورة رائعة لإيمان هذه الجماعة. وأثر ما تلاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن عليهم ؛ حيث فاضت أعينهم من الدمع حينما سمعوا ذلك ابتهاجا بالحق الذي انطوى فيه وعرفوه من قبل. وحيث أعلنوا إيمانهم ودعوة الله أن يكتبهم في سجل المؤمنين الشاهدين المصدقين، وتساءلوا عما إذا كان يصح أن لا يصدقوا ويؤمنوا بالله والحق الذي سمعوه عن الله في حين أنهم يأملون من الله أن يجعلهم في جملة عباده الصالحين. واحتوت الآيات تقريرا بأن الله عز وجل قد أثابهم على ما وقع منهم بجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وهو جزاء المحسنين، وبأن الذين كفروا هم أصحاب الجحيم.
وقد أورد ابن كثير حديثا رواه الطبراني عن ابن عباس جاء فيه :( إن جماعة النصارى لما فاضت أعينهم وأعلنوا إيمانهم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لعلكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم فقالوا : لن ننتقل عن ديننا فأنزل الله : وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ................... الخ الآيات. والحديث ليس من الصحاح. ويقتضي أن تكون بعض الآيات نزل لحدته، كما يفيد أن الآيات نزلت في حادث جديد. والآيات منسجمة مرتبط أولها بآخرها. والتمعن فيها وفي السياق السابق لها يسوغ الترجيح أنها لم تنزل في حادث جديد، وأنها متصلة بالسياق السابق واستمرار له. فبعد أن استمرت الآيات توالى في وصف انحرافات الكتابيين الدينية بصورة عامة. وفي وصف مواقف اليهود الكيدية للدعوة المحمدية والمسلمين ووصف أخلاقهم الخبيثة ومناقضتهم لمبادئ الإيمان بالله ووحدته جاءت هذه الآيات خاتمة، واحتوت موقف وحقيقة كل من اليهود والنصارى من المسلمين. وأن المشهد الواقعي الرائع الذي احتوت حكايته الآيات بإيمان جماعة من النصارى فيهم القسيسون والرهبان كان حادثا سابقا وجاء هنا من قبيل التذكير والتدعيم والتعليل لما قررته من كون النصارى أقرب مودة إلى المسلمين. والله تعالى أعلم.
ولقد تعددت الروايات التي يرويها المفسرون في هوية أصحاب هذا المشهد. ومن الروايات ما يؤيد ما سوغناه من أن المشهد ليس جديدا. فهناك رواية تذكر أن الآيات عنت النجاشي ملك الحبشة وأصحابه الذين آمنوا حينما سمعوا القرآن من مهاجري المسلمين. ورواية تذكر أنها في صدد إيمان وفد حبشي أرسله النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع اختلاف في عدده بين ١٢ وبين ٧٠. ورواية تذكر أن هذا الوفد جاء مع جعفر بن أبي طالب ورفاقه المهاجرين في الحبشة حينما عادوا إلى المدينة بعد صلح الحديبية. ورواية تذكر أنهم جماعة من النصارى كانوا على شريعة عيسى الأصلية دون ذكر هويتهم. ورواية تذكر أنهم نصارى نجران اليمن أو وفدهم. ورواية تذكر أنهم وفد رومي قدم من الشام.
والوصف يلهم أن المشهد كان في حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والروايات تذكر أن وفد نصارى نجران رجع بدون أن يؤمن، على ما شرحناه في سياق تفسير آيات سورة آل عمران ( ٣٤ – ٦٤ ) وعلى هذا فإما أن يكون أصحاب هذا المشهد وفدا حبشيا جاء إلى المدينة مرسلا من النجاشي لمقابلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن عرف عنه ما عرف من المهاجرين، وربما جاء معهم حين رجعوا إلى المدينة بعد صلح الحديبية. أو وفدا من الشام وأطرافها ؛ حيث كانت النصرانية سائدة. وقد يستلهم من الوصف أن الوفد كان يفهم العربية أو كان منهم من يفهمها. فهذا التأثر الشديد يرجح أن يكون من أسلوب القرآن وفحواه وروحانيته معا مما قد يتأثر به العارف بالعربية أكثر. وهذا ما يجعلنا نرجح أن يكون من نصارى الشام أو أطرافها التي كانت مأهولة بنصارى العرب والمستعربين من الأقوام العربية الجنس.
ولقد قال ابن كثير : إن هذا المشهد هو للذين ذكر إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن في آيات آل عمران ( ١٩٩ ) والإسراء ( ١٠٧ و ١٠٨ ) والقصص ( ٥٢ – ٥٥ ) وهذا القول يؤيد تسويغنا أيضا، وإن كنا نرجح أنه مشهد آخر لوفد قادم إلى المدينة من الخارج في حين أن المشاهد المذكورة في آيات سورة آل عمران والإسراء والقصص هي على الأرجح لأناس كانوا مقيمين بين ظهراني المسلمين في مكة والمدينة. وإنه ليصح أن يقال بناء على ذلك : إن أخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد انتشرت إلى خارج الجزيرة، فأثارت الأفكار ولفتت الأنظار، وجعلت بعض رهبان النصارى وقسيسيهم، وبتعبير آخر علماءهم الذين يستطيعون الحجاج والجدل ووزن الأقوال ويرغبون في معرفة وقائع الأمور وحقائقها، والوقوف عليها بأنفسهم يفدون إلى المدينة ليروا هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويسمعوا منه ويحاجوه ويجادلوه. وقد تأثر الوافدون بما رأوا وسمعوا ولمسوا من قوة الحق والروحانية والتطابق مع م جاء به رسل الله السابقون فصدقوا وآمنوا. وخطورة هذا الحادث عظيمة جدا، كما هو المتبادر من حيث سير الدعوة النبوية والسيرة النبوية. ومن المحتمل جدا أن يكون لكتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورسله الذين أرسلهم أثر في هذه الوفادة.
وإذا ما أضفنا هذا المشهد إلى ما احتوته آيات آل عمران والإسراء والقصص المذكورة آنفا ثم آيات البقرة ( ١٢١ ) وآل عمران ( ١١٣ – ١١٥ ) والنساء ( ١٦٢ ) والرعد ( ٣٦ ) والأحقاف ( ١٠ ) التي تذكر إيمان بعض أهل الكتاب وأهل العلم منهم من يهود ونصارى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرآن يظهر أن هذه المشاهد قد تكررت في العهدين المكي والمدني في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي هذا شهادة عيان قوية صادقة على ما كان لروحانية القرآن وروحانية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروحانية الدعوة من تأثير في كل من كان يسمعها بعقله وقلبه ومنطقه، وكان رائده الحق والهدى، ولم يكن خبيث الطوية متعمدا للعناد والجحود من الكتابيين وعلمائهم ورؤساء دنيهم في مقدمتهم. وهذا هو الذي قرره القرآن في صدد مستمعي آيات القرآن والدعوة النبوية إذا كانوا من الفئة الأولى، كما جاء في آيات عديدة، منها آية سورة يس ( ١١ ) هذه إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم وآية سورة السجدة : إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ( ١٥ ) وإذا كان جمهرة اليهود في الحجاز الذين سمعوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يؤمنوا، ففي القرآن شواهد كثيرة على أن هذا كان لأسباب عديدة لا تمت إلى صدق دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروحانية رسالته.
وفي السلسلة التي نحن بصددها آيات تتضمن أسباب ذلك كما أن مثل هذه الأسباب واردة في السلاسل الواردة في حق اليهود في سور البقرة وآل عمران والنساء. والآيات القرآنية المكية والمدنية تلهم أن أكثر النصارى في الحجاز آمنوا بالرسالة النبوية ؛ لأنهم لم يكن لديهم من الأسباب ما كان لدى اليهود فضلا عما كانوا عليه من دماثة خلق وحسن طوية نوه بها القرآن في الآيات التي نحن في صددها وفي آية سورة الحديد هذه : ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ( ٢٧ ). ولم يمض على فتح المسلمين بلاد الشام والعراق ومصر وشمال إفريقية إلا ردح قصير، حتى أخذ النصارى فيها يقبلون على اعتناق الإسلام إلى أن اعتنقه سوادهم الأعظم. وشاء بعضهم أن يحتفظوا بدينهم فكان لهم ذلك. اتساقا مع حرية التدين التي قررها القرآن على ما شرحناه في سياق تفسير سورة ( الكافرون ).
ونحن نعتقد أن موقف هؤلاء كان متأثرا بأسباب مادية ودنيوية أكثر من كل شيء. وقد يكون أكثرهم من الرهبان الذين كانوا يجنون ثمرات كثيرة من موارد الأديرة التي كانت تحت أيديهم. ولعل هذا ما قررت واقعة المشاهد آية سورة التوبة هذه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ ( ٣٤ ).
ولقد ظل هذا الواقع بشكليه يتكرر في كل مكان وزمان. فمن استطاع أن يتغلب على أنانيته وهواه، ويتفلت من تأثير المنافع المادية والتعصب الأعمى يؤمن بالقرآن ورسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن انساق بأنانيته وهواه فأعمياه عن الحق والحقيقة وجعلاه يتعصب تعصبا أعمى ظل مكابرا مناوئا، وظل يستجيب للتحريض والإغراء والتهويش والمكائد ضد الإسلام والمسلمين.
وما دام القرآن قد وصف النصارى في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما وصفهم به من دماثة وخلق وحسن طوية ورحمة ورأفة، وبأنهم أقرب الناس مودة للمسلمين فيصح القول : إن هذه الصفات المحببة هي نتيجة لتلقينات المسيحية السمحاء، ولقد كان بعضهم لا يكتفون بعدم الاستجابة إلى الإسلام، بل يقفون من الإسلام والمسلمين موقف المناوئ الباغي والمكابر المكائد المعادي، ولا يزال هذا يظهر في كل ظروف فيكون أصحاب ذلك منحرفين عن تلك التلقينات.
ووصف اليهود بأنهم أعداء المسلمين قد ورد في مواضع عديدة في سورة البقرة وآل عمران والنساء ( ١ )١. غير أن في هذا الوصف الذي جاء في الآيات معنى خاصا ؛ حيث يفيد أنهم من أشد أعدائهم. وليس من ريب في أن هذا قد كان قائما على مواقف ومشاهد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن المعجزات القرآنية أن هذا يتكرر اليوم بأشد صوره.
ومهما يكن من
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ ( ١ ) وَرُهْبَانًا ( ٢ ) وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ( ٨٢ ) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( ٨٣ ) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( ٨٤ ) فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ( ٨٥ ) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( ٨٦ ) ( ٨٢ – ٨٦ ).
تعليق على الآية :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى.........
والآيات الأربع التالية لها وما ينطوي فيها من صور ودلالات
عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت تقريرا توكيديا بأن أشد الناس عداوة للمسلمين هم اليهود والذين أشركوا، وأقربهم مودة هم النصارى. وتعليلا لهذه المودة هو أنهم كانوا متواضعين لا يستكبرون عن الحق واتباعه. ومشهدا من مشاهد إيمان جماعة منهم فيهم القسيسون والرهبان كتعليل آخر. وقد تضمن المشهد صورة رائعة لإيمان هذه الجماعة. وأثر ما تلاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن عليهم ؛ حيث فاضت أعينهم من الدمع حينما سمعوا ذلك ابتهاجا بالحق الذي انطوى فيه وعرفوه من قبل. وحيث أعلنوا إيمانهم ودعوة الله أن يكتبهم في سجل المؤمنين الشاهدين المصدقين، وتساءلوا عما إذا كان يصح أن لا يصدقوا ويؤمنوا بالله والحق الذي سمعوه عن الله في حين أنهم يأملون من الله أن يجعلهم في جملة عباده الصالحين. واحتوت الآيات تقريرا بأن الله عز وجل قد أثابهم على ما وقع منهم بجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وهو جزاء المحسنين، وبأن الذين كفروا هم أصحاب الجحيم.
وقد أورد ابن كثير حديثا رواه الطبراني عن ابن عباس جاء فيه :( إن جماعة النصارى لما فاضت أعينهم وأعلنوا إيمانهم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لعلكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم فقالوا : لن ننتقل عن ديننا فأنزل الله : وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ................... الخ الآيات. والحديث ليس من الصحاح. ويقتضي أن تكون بعض الآيات نزل لحدته، كما يفيد أن الآيات نزلت في حادث جديد. والآيات منسجمة مرتبط أولها بآخرها. والتمعن فيها وفي السياق السابق لها يسوغ الترجيح أنها لم تنزل في حادث جديد، وأنها متصلة بالسياق السابق واستمرار له. فبعد أن استمرت الآيات توالى في وصف انحرافات الكتابيين الدينية بصورة عامة. وفي وصف مواقف اليهود الكيدية للدعوة المحمدية والمسلمين ووصف أخلاقهم الخبيثة ومناقضتهم لمبادئ الإيمان بالله ووحدته جاءت هذه الآيات خاتمة، واحتوت موقف وحقيقة كل من اليهود والنصارى من المسلمين. وأن المشهد الواقعي الرائع الذي احتوت حكايته الآيات بإيمان جماعة من النصارى فيهم القسيسون والرهبان كان حادثا سابقا وجاء هنا من قبيل التذكير والتدعيم والتعليل لما قررته من كون النصارى أقرب مودة إلى المسلمين. والله تعالى أعلم.
ولقد تعددت الروايات التي يرويها المفسرون في هوية أصحاب هذا المشهد. ومن الروايات ما يؤيد ما سوغناه من أن المشهد ليس جديدا. فهناك رواية تذكر أن الآيات عنت النجاشي ملك الحبشة وأصحابه الذين آمنوا حينما سمعوا القرآن من مهاجري المسلمين. ورواية تذكر أنها في صدد إيمان وفد حبشي أرسله النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع اختلاف في عدده بين ١٢ وبين ٧٠. ورواية تذكر أن هذا الوفد جاء مع جعفر بن أبي طالب ورفاقه المهاجرين في الحبشة حينما عادوا إلى المدينة بعد صلح الحديبية. ورواية تذكر أنهم جماعة من النصارى كانوا على شريعة عيسى الأصلية دون ذكر هويتهم. ورواية تذكر أنهم نصارى نجران اليمن أو وفدهم. ورواية تذكر أنهم وفد رومي قدم من الشام.
والوصف يلهم أن المشهد كان في حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والروايات تذكر أن وفد نصارى نجران رجع بدون أن يؤمن، على ما شرحناه في سياق تفسير آيات سورة آل عمران ( ٣٤ – ٦٤ ) وعلى هذا فإما أن يكون أصحاب هذا المشهد وفدا حبشيا جاء إلى المدينة مرسلا من النجاشي لمقابلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن عرف عنه ما عرف من المهاجرين، وربما جاء معهم حين رجعوا إلى المدينة بعد صلح الحديبية. أو وفدا من الشام وأطرافها ؛ حيث كانت النصرانية سائدة. وقد يستلهم من الوصف أن الوفد كان يفهم العربية أو كان منهم من يفهمها. فهذا التأثر الشديد يرجح أن يكون من أسلوب القرآن وفحواه وروحانيته معا مما قد يتأثر به العارف بالعربية أكثر. وهذا ما يجعلنا نرجح أن يكون من نصارى الشام أو أطرافها التي كانت مأهولة بنصارى العرب والمستعربين من الأقوام العربية الجنس.
ولقد قال ابن كثير : إن هذا المشهد هو للذين ذكر إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن في آيات آل عمران ( ١٩٩ ) والإسراء ( ١٠٧ و ١٠٨ ) والقصص ( ٥٢ – ٥٥ ) وهذا القول يؤيد تسويغنا أيضا، وإن كنا نرجح أنه مشهد آخر لوفد قادم إلى المدينة من الخارج في حين أن المشاهد المذكورة في آيات سورة آل عمران والإسراء والقصص هي على الأرجح لأناس كانوا مقيمين بين ظهراني المسلمين في مكة والمدينة. وإنه ليصح أن يقال بناء على ذلك : إن أخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد انتشرت إلى خارج الجزيرة، فأثارت الأفكار ولفتت الأنظار، وجعلت بعض رهبان النصارى وقسيسيهم، وبتعبير آخر علماءهم الذين يستطيعون الحجاج والجدل ووزن الأقوال ويرغبون في معرفة وقائع الأمور وحقائقها، والوقوف عليها بأنفسهم يفدون إلى المدينة ليروا هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويسمعوا منه ويحاجوه ويجادلوه. وقد تأثر الوافدون بما رأوا وسمعوا ولمسوا من قوة الحق والروحانية والتطابق مع م جاء به رسل الله السابقون فصدقوا وآمنوا. وخطورة هذا الحادث عظيمة جدا، كما هو المتبادر من حيث سير الدعوة النبوية والسيرة النبوية. ومن المحتمل جدا أن يكون لكتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورسله الذين أرسلهم أثر في هذه الوفادة.
وإذا ما أضفنا هذا المشهد إلى ما احتوته آيات آل عمران والإسراء والقصص المذكورة آنفا ثم آيات البقرة ( ١٢١ ) وآل عمران ( ١١٣ – ١١٥ ) والنساء ( ١٦٢ ) والرعد ( ٣٦ ) والأحقاف ( ١٠ ) التي تذكر إيمان بعض أهل الكتاب وأهل العلم منهم من يهود ونصارى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرآن يظهر أن هذه المشاهد قد تكررت في العهدين المكي والمدني في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي هذا شهادة عيان قوية صادقة على ما كان لروحانية القرآن وروحانية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروحانية الدعوة من تأثير في كل من كان يسمعها بعقله وقلبه ومنطقه، وكان رائده الحق والهدى، ولم يكن خبيث الطوية متعمدا للعناد والجحود من الكتابيين وعلمائهم ورؤساء دنيهم في مقدمتهم. وهذا هو الذي قرره القرآن في صدد مستمعي آيات القرآن والدعوة النبوية إذا كانوا من الفئة الأولى، كما جاء في آيات عديدة، منها آية سورة يس ( ١١ ) هذه إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم وآية سورة السجدة : إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ( ١٥ ) وإذا كان جمهرة اليهود في الحجاز الذين سمعوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يؤمنوا، ففي القرآن شواهد كثيرة على أن هذا كان لأسباب عديدة لا تمت إلى صدق دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروحانية رسالته.
وفي السلسلة التي نحن بصددها آيات تتضمن أسباب ذلك كما أن مثل هذه الأسباب واردة في السلاسل الواردة في حق اليهود في سور البقرة وآل عمران والنساء. والآيات القرآنية المكية والمدنية تلهم أن أكثر النصارى في الحجاز آمنوا بالرسالة النبوية ؛ لأنهم لم يكن لديهم من الأسباب ما كان لدى اليهود فضلا عما كانوا عليه من دماثة خلق وحسن طوية نوه بها القرآن في الآيات التي نحن في صددها وفي آية سورة الحديد هذه : ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ( ٢٧ ). ولم يمض على فتح المسلمين بلاد الشام والعراق ومصر وشمال إفريقية إلا ردح قصير، حتى أخذ النصارى فيها يقبلون على اعتناق الإسلام إلى أن اعتنقه سوادهم الأعظم. وشاء بعضهم أن يحتفظوا بدينهم فكان لهم ذلك. اتساقا مع حرية التدين التي قررها القرآن على ما شرحناه في سياق تفسير سورة ( الكافرون ).
ونحن نعتقد أن موقف هؤلاء كان متأثرا بأسباب مادية ودنيوية أكثر من كل شيء. وقد يكون أكثرهم من الرهبان الذين كانوا يجنون ثمرات كثيرة من موارد الأديرة التي كانت تحت أيديهم. ولعل هذا ما قررت واقعة المشاهد آية سورة التوبة هذه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ ( ٣٤ ).
ولقد ظل هذا الواقع بشكليه يتكرر في كل مكان وزمان. فمن استطاع أن يتغلب على أنانيته وهواه، ويتفلت من تأثير المنافع المادية والتعصب الأعمى يؤمن بالقرآن ورسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن انساق بأنانيته وهواه فأعمياه عن الحق والحقيقة وجعلاه يتعصب تعصبا أعمى ظل مكابرا مناوئا، وظل يستجيب للتحريض والإغراء والتهويش والمكائد ضد الإسلام والمسلمين.
وما دام القرآن قد وصف النصارى في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما وصفهم به من دماثة وخلق وحسن طوية ورحمة ورأفة، وبأنهم أقرب الناس مودة للمسلمين فيصح القول : إن هذه الصفات المحببة هي نتيجة لتلقينات المسيحية السمحاء، ولقد كان بعضهم لا يكتفون بعدم الاستجابة إلى الإسلام، بل يقفون من الإسلام والمسلمين موقف المناوئ الباغي والمكابر المكائد المعادي، ولا يزال هذا يظهر في كل ظروف فيكون أصحاب ذلك منحرفين عن تلك التلقينات.
ووصف اليهود بأنهم أعداء المسلمين قد ورد في مواضع عديدة في سورة البقرة وآل عمران والنساء ( ١ )١. غير أن في هذا الوصف الذي جاء في الآيات معنى خاصا ؛ حيث يفيد أنهم من أشد أعدائهم. وليس من ريب في أن هذا قد كان قائما على مواقف ومشاهد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن المعجزات القرآنية أن هذا يتكرر اليوم بأشد صوره.
ومهما يكن من
التفسير الحديث
دروزة