ﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

الجزء السابع
بسم الله الرحمان الرحيم
لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ٨٢ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ٨٣ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ٨٤ فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين ٨٥ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم [ المائدة : ٨٢ ٨٦ ].
تفسير المفردات : العداوة : البغضاء يظهر أثرها في القول والعمل، والمودة : محبة يظهر أثرها في القول والعمل، والناس : هم يهود الحجاز ومشركو العرب ونصارى الحبشة في عصر التنزيل، والقسيسون : واحدهم قسيس، وقسوس، واحدهم قس : وهو الرئيس الديني فوق الشماس ودون الأسقف، والأصل في القسيسين أن يكونوا من أهل العلم بدينهم وكتبهم، لأنهم رعاة ومفتون، والرهبان، واحدهم راهب : وهو المتبتل المنقطع في دير أو صومعة للعبادة وحرمان النفس من التنعيم بالزوج والولد ولذات الطعام والزينة، وذكر القسيسين والرهبان للجمع بين العباد والعلماء.
المعنى الجملي : بعد أن حاج سبحانه وتعالى أهل الكتاب، وذكر من مخازيهم أنهم اتخذوا الدين الإسلامي هزوا ولعبا، وأن اليهود منهم قالوا : يد الله مغلولة، وأنهم قتلوا رسلهم تارة وكذبوهم أخرى، وأن النصارى منهم اعتقدوا عقائد زائفة، فمنهم من قال المسيح ابن الله، ومنهم من قال إن الله ثالث ثلاثة، وقد عابهم على ذلك وكر عليهم بالحجة إثر الحجة لتفنيد ما كانوا يعتقدون.
ذكر هنا أحوالهم في عداوتهم للمؤمنين ومحبتهم لهم ومقدار تلك المحبة والعداوة، وبين حال المشركين مع المؤمنين بالتبع لهم.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر رجلا، سبعة قسيسين وخمسة رهبانا ينظرون إليه ويسألونه فلما لقوه وقرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا. وأنزل الله فيهم وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ ذلك المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم ذكروا أنهم سبقوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فقالوا : إنه خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطا ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم. قال : إن جاؤوني نظرت فيما يقولون، فلما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا إلى باب النجاشي قالوا له : استأذن لأولياء الله، فقال : ائذن لهم فمرحبا بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا فقال لهم : ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي ؟ قالوا : إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم : ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه ؟ قالوا : يقول عبد الله ورسوله وكلمة من الله وروح منه ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم إنها العذراء الطيبة البتول، قال : فأخذ عودا من الأرض فقال : ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود ـ أي مثله في صغره ـ فكره المشركون قوله، وتغيرت له وجوههم، فقال : هل تقرؤون شيئا مما أنزل عليكم ؟ قالوا : نعم قال : فاقرؤوا، فقرؤوا، وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى، فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما قرؤوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، وهذا ما أشار إليه بقوله : ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق .
الإيضاح : لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا أي قسما لتجدن أيها الرسول أشد الناس عداوة للذين صدقوك واتبعوك وصدقوا بما جئتهم به، اليهود والمشركين من عبدة الأوثان الذين اتخذوها آلهة يعبدونها من دون الله.
وأشد ما لاقى النبي صلى الله عليه وسلم من العداوة والإيذاء، كان من يهود الحجاز في المدينة وما حولها، ومن مشركي العرب ولاسيما مكة وما قرب منها.
وقد كان اليهود والمشركون مشتركين في بعض الصفات والأخلاق التي اقتضت عداوتهم الشديدة للمؤمنين كالكبر، والعتو، والبغي، وغلبة الحياة المادية، والأثرة، والقسوة، وضعف عاطفة الحنان والرحمة، والعصبية الجنسية، والحمية القوية، ولكن مشركي العرب على جاهليتهم كانوا أرق من اليهود قلوبا، وأعظم سخاء وإيثارا، وأكثر حرية في الفكر واستقلالا في الرأي.
وقدم سبحانه ذكر اليهود للإشارة إلى تفوقهم على العرب فيما وصفوا به، فضلا عما امتازوا به من قتل بعض الأنبياء وإيذاء بعض آخر، واستحلال أكل أموال غيرهم بالباطل.
ولم يكن ميلهم مع المسلمين في البلاد المقدسة والشام والأندلس إلا ميلا وراء مصلحتهم الخاصة، إذ هم تفيئوا ظلال عدلهم، واستراحوا به من اضطهاد النصارى في تلك البلاد.
ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى أي ولتجدن أقرب الناس محبة للذين آمنوا بك وصدقوك الذين قالوا إنا نصارى فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى من نصارى الحبشة أحسن المودة، بحماية المهاجرين الذين أرسلهم صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام من مكة إلى الحبشة، خوفا عليهم من مشركيها الذين كانوا يؤذونهم أشد الإيذاء، ليفتنوهم عن دينهم.
ولما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كتبه إلى الملوك ورؤساء الشعوب كان النصارى منهم أحسنهم ردا، فهرقل ملك الروم في الشام حاول إقناع رعيته بقبول الإسلام فلم يستطع، لجمودهم على التقليد فاكتفى بالرد الحسن، والمقوقس عظيم القبط في مصر كان أحسن منه ردا، وإن لم يكن أكثر منه ميلا إلى الإسلام، وأرسل للنبي صلى الله عليه وسلم هدية حسنة، ثم لما فتحت مصر والشام وعرف أهلهما ما للإسلام من مزايا أهرعوا إلى الدخول في الدين أفواجا وكان القبط أسرع إليه قبولا.
والخلاصة : إن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به رأوا في عصره من مودة النصارى وقربهم من الإسلام بقدر ما رأوا من عداوة اليهود والمشركين، وأن من توقف من ملوكهم عن الإسلام فما كان توقفه إلا ضنا بملكه، وأن النجاشي أصحمة ملك الحبشة قد أسلمت معه بطانته من رجال الدين والدنيا، ولكن الإسلام لم ينتشر في الحبشة بعد موته، ولم يهتم المسلمون بإقامة دينهم في تلك البلاد كما فعلوا في مصر والشام.
ثم بين سبحانه وتعالى سبب مودة النصارى للذين آمنوا فقال : ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون .
الإيضاح : ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون أي إن السبب في هذه المودة أن منهم قسيسين يتولون تعليمهم التعليم الديني، ويهذبون أخلاقهم ويربون فيهم الآداب والفضائل، ورهبانا يعودونهم الزهد والتقشف والإعراض عن زخرف الدنيا ونعيمها، ويكبرون في نفوسهم الخوف من الله والانقطاع لعبادته، وأنهم لا يستكبرون عن الإذعان للحق إذا ظهر أنه الحق، إذ من فضائل دينهم التواضع والتذلل والخضوع لكل حاكم، بل إنهم أمروا بمحبة الأعداء، وإدارة الخد الأيسر لمن ضرب الخد الأيمن. فكل أولئك يؤثر في جمهور الأمة وسوادها الأعظم، وقد عهد من النصارى قبول سلطة المخالف لهم طوعا واختيارا، بخلاف اليهود فإنهم إذا أظهروا الرضا اضطرارا أسروا الكيد وأضمروا المكر، لأن الشريعة اليهودية تولد في نفوسهم العصبية الجنسية والحمية القومية، لأنها خاصة بشعب إسرائيل، وأحكامها ونصوصها مبنية على ذلك.


المعنى الجملي : بعد أن حاج سبحانه وتعالى أهل الكتاب، وذكر من مخازيهم أنهم اتخذوا الدين الإسلامي هزوا ولعبا، وأن اليهود منهم قالوا : يد الله مغلولة، وأنهم قتلوا رسلهم تارة وكذبوهم أخرى، وأن النصارى منهم اعتقدوا عقائد زائفة، فمنهم من قال المسيح ابن الله، ومنهم من قال إن الله ثالث ثلاثة، وقد عابهم على ذلك وكر عليهم بالحجة إثر الحجة لتفنيد ما كانوا يعتقدون.
ذكر هنا أحوالهم في عداوتهم للمؤمنين ومحبتهم لهم ومقدار تلك المحبة والعداوة، وبين حال المشركين مع المؤمنين بالتبع لهم.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر رجلا، سبعة قسيسين وخمسة رهبانا ينظرون إليه ويسألونه فلما لقوه وقرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا. وأنزل الله فيهم وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ ذلك المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم ذكروا أنهم سبقوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فقالوا : إنه خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطا ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم. قال : إن جاؤوني نظرت فيما يقولون، فلما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا إلى باب النجاشي قالوا له : استأذن لأولياء الله، فقال : ائذن لهم فمرحبا بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا فقال لهم : ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي ؟ قالوا : إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم : ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه ؟ قالوا : يقول عبد الله ورسوله وكلمة من الله وروح منه ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم إنها العذراء الطيبة البتول، قال : فأخذ عودا من الأرض فقال : ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود ـ أي مثله في صغره ـ فكره المشركون قوله، وتغيرت له وجوههم، فقال : هل تقرؤون شيئا مما أنزل عليكم ؟ قالوا : نعم قال : فاقرؤوا، فقرؤوا، وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى، فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما قرؤوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، وهذا ما أشار إليه بقوله : ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق .

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير