لتجدن أشد الناس.. أي لتجدن أشد الكفار عداوة للمؤمنين اليهود، لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم، و انهماكهم في اتباع أهوائهم وتمرنهم على التمرد، والاستعصاء على الأنبياء، وتمكن الحسد والبغي في قلوبهم، إلى حد استيجاب إيصال الأذى والشر إلى من خالفهم في الدين، وقد جعلهم الله قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين، بل هم أعرق فيها ولذا قدموا في الذكر عليهم، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى فهم ألين عريكة وأساس انقياد إلى الحق، وفيهم من هو معرض عن الدنيا و لذاتها والتنافس فيها، ومن كان شأنه ذلك لا يحسد الناس ولا يعاديهم.
والآية نزلت في النجاشي وأصحابه. وقيل : في الوفد الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب مسلمين. وقيل : في جماعة من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى عليه السلام، فلما بعث محمد صلى الله عليه و سلم آمنوا به وصدقوه، فأثنى الله تعالى عليهم في هذه الآية. ذلك بأن منهم قسيسين و رهبانا و أنهم لا يستكبرون عن إتباع الحق والانقياد له إذا فهموه. أو أنهم يتواضعون ولا يتكبرون
كاليهود. و قسيسين أي علماء، جمع قسيس صيغة مبالغة : من تقسس الشيء إذا تتبعه بالليل. سموا بذلك في الأصل لتتبعهم العلم بكثرة ورهبانا أي عبادا، جمع راهب، من الرهبة وهي المخافة. ومنه الترهب وهو التعبد. والرهبانية وهي الغلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة.
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف