ويقول الحق بعد ذلك :
لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ( ٨٢ ) .
الحق سبحانه وتعالى يقسم لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن واقع الحياة مع فرقتين كاليهود والنصارى سيتجلى واضحا على الرغم من أن كل جانب منهما مخالف لرسول الله في ناحية، فمواجيد هؤلاء الناس وأهواؤهم مختلفة ولكنهم اتفقوا جميعا في الهدف.
فاليهود أشد عداوة لأنهم أخذوا سلطة زمنية جعلتهم السادة في المنطقة، أما النصارى فلم تكن لهم سيادة ولا سلطة زمنية وكانوا عاكفين في صوامعهم وبيعهم يعبدون الله. والجانب الذي ليس له سلطة زمنية لا يعادي من جاء ليسحب من أهل الجور سلطتهم الزمنية ويقيم العدل بين الناس. فما العلة في ذلك ؟
يقول الحق : ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا . و ( القسيسون ) جمع قس وهو المتفرغ للعلم الرباني. و( الرهبان ) هم الذين تفرغوا للعبادة. فكأن القسيس مهمته أن يعلم العلم. والراهب مهمته أن ينفذ مطلوب العلم ويترهبن.
إننا نجد هنا أن الحق سبحانه وتعالى قد امتن بشيئين وبذلك جعلهم أقرب مودة للذين آمنوا، امتن سبحانه بأن منهم قسيسين يحافظون على علم الكتاب، وامتن بأن منهم رهبانا ينفذون مدلول المطلوب من العلم، وبذلك صاروا أقرب مودة للذين آمنوا إن ظلوا على هذا الوضع ؛ لأن العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما. ومادام قد عللها – سبحانه – بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون فذلك لأنهم لا يتطاولون إلى رئاسة وليس لهم تكبر أو ترفع ؛ لأن طبيعة دينهم تعطيهم طاقة روحية كبرى حتى إنهم يقولون :( من ضربك على خدك الأيمن أدر له خدك الأيسر ). وهذا يعطيهم شحنة إيمانية نراها ناضحة عليهم.
ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وقد جاء واقع الكون مؤيدا لهذا، فمواقف اليهود من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معروفة حتى إنهم نزلت بهم الخسة وتمكن منهم الحقد ودفعهم الغدر أن أرادوا أن يلقوا عليه حجرا ليقتلوه وحاولوا دس السم له.
وحين تجد إنسانا لا يجد طريقا إلى الخلاص من خصمه إلا بأن يقتله، فيمكنك أن تواجهه قائلا : أنت لا تملك شجاعة تواجهه بها في حياته، ولو كنت تملك تلك الشجاعة ما فكرت في أن تقتله. وهذا دليل على أنه أضعف منه وليس أشجع منه، فلو كان عليه أن يواجه هذا الخصم مواجهة في حركة حياته ولا يفكر في قتله ؛ لأن الضعيف هو من يرى أن حياة الخصم ترهقه.
لقد كان اليهود أهلا لهذا الضعف في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ونعلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم حينما جهر بدعوته اتبعه بعض من الناس، ولكن هؤلاء المؤمنين الأوائل عانوا من اضطهاد أهلهم وذويهم. حتى إن البيت الواحد انقسم، مثال ذلك تجد أن أم حبيبة السيدة رملة وهي بنت أبي سفيان تؤمن بينما والدها هو شيخ الكفرة آنذاك، وتذهب أم حبيبة مع زوجها إلى الحبشة ويحرص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذه الخلايا الإيمانية لأنه يعلم أنها ستفرخ الإيمان من بعد ذلك. وبتلك الهجرة إلى الحبشة أراد صلى الله عليه وآله وسلم أن يحمي بذور الإيمان لتكون هي مركز انتشار الإيمان من بعد ذلك ؛ لأنهم سوف يؤدون مهمة إيمانية، والشجاعة – كما نعلم – تقتضي الحرص. وشاعرنا أحمد شوقي – رحمه الله – قال في إحدى مقطوعاته النثرية التي سماها ( أسواق الذهب ) : ربما تقتضيك الشجاعة، أن تجبن ساعة ؟
وهذه الشجاعة لا تكون على العدو فقط ولكنها تكون شجاعة في مواجهة النفس، مثال ذلك : لو أن جماعة من الأقوياء كانوا جالسين معا في جلسة سمر، ثم دخل عليهم صعلوك يحمل مسدسا، وقام بتوجيه السباب لكل منهم. هنا يتحايل عليه هؤلاء إلى أن يتمكنوا منه ليعاقبوه.
إذن فالشجاعة تقتضي أن يجبن الإنسان لحظة إلى أن يتمكن من الخصم. وهذه هي الكياسة والحيلة، فالإيمان ليس انتحارا، بل يقتضي الإيمان ألا يدخل المؤمن معركة إلا وعنده حسبان في الكسب. وها هو ذا حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمي خالد بن الوليد ( سيف الله المسلول ) في معركة لم يتنصر فيها خالد، ولكنه انتصر انتصارا سلبيا بأن عرف كيف يسحب الجيش، فالأمر بسحب الجيش يحتاج إلى قوة أكثر مما يحتاج إليه النصر. فالمنتصر تكون الريح معه. أما المهزوم فتكون الريح ضده.
ونجد القرآن الكريم يقول : ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ( ١٦ ) . ( سورة الأنفال ).
إذن فالمناورة والكيد من المهارة القتالية لأنها تتيح من بعد ذلك القدرة على مواجهة العدو.
وينير النور الإلهي بصيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيستعرض الأرض كلها حتى يختار مكانا آمنا يذهب إليه هؤلاء المؤمنون، فيختار الحبشة. لم يشأ صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمرهم بالذهاب إلى أي قبيلة من القبائل ؛ لأنه يعلم أن كل قبائل الجزيرة تخشى قريشا ؛ فموسم الحج جامع للقبائل تحت سيادة قريش. ومن يقف ضد إرادة قريش فسيتعرض للمتاعب. وعلى ذلك لن يأمن رسول الله على خلايا الإيمان أن يذهبوا إلى قبيلة. واستقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأرض كلها، واختار الحبشة، لماذا ؟.
ها هي ذي كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باقية إلى زمننا :( إن بها ملكا لا يظلم عنده أحد فأقيموا ببلاده حتى يجعل الله لكم مخرجا مما أنتم فيه )(١).
وفي حديث الزهري : لما كثر المسلمون، وظهر تعذيب الكفار- قال عليه الصلاة والسلام :( تفرقوا في أرض الله فإن الله سيجمعكم، قالوا : إلى أين نذهب ؟ قال : إلى ها هنا وأشار بيده إلى أرض الحبشة )(٢).
وتسللوا في جنح الليل إلى الطريق متجهين إلى الحبشة. وعندما علمت قريش بالخبر حاولت أن تقطع عليهم الطريق لتعيدهم إلى مكة لتواصل الحملة عليهم والتنكيل بهم لصدهم عن الإسلام. ولكن الحق أراد أمرا مختلفا وكان الطريق سهلا، ووصلوا إلى الحبشة، وأنجاهم الله من كيد الكافرين.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يملك – بما علمه له ربه – الخبرة الكاملة بالرقعة الأرضية ويعرف من يظلم من الحكام ومن لا يظلم. وصدق رسول الله في فراسته الإيمانية، فحينما ذهب المؤمنون المهاجرون إلى الحبشة وجدوا أنهم دخلوا دار أمن، أمنوا فيها على دينهم. وجن جنون قريش وأرادوا استرداد هؤلاء القوم من النجاشي ملك الحبشة فأرسلوا صناديدهم ومعهم الهدايا والتحف لملك الحبشة.
سافر عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وعمارة بن الوليد بن المغيرة. وطلب وفد قريش من النجاشي أن يسلمهم هؤلاء المهاجرين إلى الحبشة، وحاولوا الدس للمهاجرين عند النجاشي، فاتهموا المسلمين المهاجرين أنهم قوم تركوا دين الآباء واعتنقوا دينا جديدا يعادي الأديان كلها. ويقولون في عيسى بن مريم قولا لا يليق به أو بأمه. ورفض النجاشي أن يصدق حرفا واحدا، وطلب أن يسمع من هؤلاء المهاجرين. فتقدم جعفر بن أبي طالب وقال :
( يا أيها الملك كنا أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرننا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله وحده لا نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان وترك عبادة الله تعالى وأن نستحل ما كنا عليه من الخبائث، فلما قهرونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبيت ديننا خرجنا إلى بلادك، وآثرناك على من سواك، ورجونا ألا نظلم عندك ).
وثبت للنجاشي أن المسيح بشهادة القرآن نبي نقي طاهر العرض. وهكذا لم يستمع إلى وشاية وفد قريش. وامتلأ قلب النجاشي بالإيمان ولم يستكبر مع أنه ملك ووقف أمام محاولات قريش للنيل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وعندما سمع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سورة مريم قال : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة.
وعرف رسول الله أن الإيمان قد خامر قلب النجاشي، بدليل أن أم حبيبة بنت أبي سفيان عندما هاجرت مع زوجها إلى الحبشة وتنصر الزوج لكنها بقيت على دينها على الرغم من أنها كانت تحبه خالص الحب، وهنا انفصلت أم حبيبة عن زوجها وذلك حتى يثبت الحق أن – هجرتها – كانت لله.
وأراد الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكرمها وأن يكرم النجاشي موقفه من عدم تسليم المؤمنين إلى وفد قريش وموقفه من أنه شهد للإسلام بأنه يخرج من نفس المشكاة التي خرج منها إنجيل عيسى عليه السلام ؛ لذلك يجعله رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم ولي نكاحه لأم حبيبة، لأنه مأمون على ما عرف من الإنجيل، ومأمون على ما سمع من القرآن في مريم، ومأمون على أنه لم يسلم المهاجرين ؛ لذلك اختاره وكيلا عنه في زواجه من أم حبيبة بعد أن تنصر زوجها. وتلك حادثة واحدة أضاءت أكثر من موقف : موقف أم حبيبة التي أثبتت أنها لم تذهب إلى الهجرة تبعا لزوجها، فلو تبعت زوجها لتنصرت كما تنصر. وأضاءت أن رسول الله كان لا ينطق عن الهوى حين قال مسبقا عن النجاشي : إنه لا يظلم عنده أحد. وعندما يبلغ الرسول نبأ وفاة النجاشي فهو – صلى الله عليه وآله وسلم – يصلي عليه صلاة الغائب.
لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ( ٨٢ ) ( سورة المائدة ).
وهذا امتنان من الله بأن جعل منهم القسيسين الذين يعلمون وهذا تكريم للعلم والرهبان الذين ينفذون منطوقات العلم. إذن فلنعلم أننا يجب أن نفرق بين العالم الذي قد يكتفي بأخذ العلم عنه إن لم يكن يعمل به، وأن نحترم الذين يعبدون الله تطبيقا للعلم بالله ونترك هؤلاء الذين لا يعملون بعلمهم لينالوا جزاءهم، ولكن علينا أن نأخذ بعلمهم ونعمل به.
| فخذ بعلمي ولا تكن إلى عملي | واجن الثمار وخل العود للنار |
ثم قفينا على أثرهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ( ٢٧ ) ( سورة الحديد ).
هو سبحانه يحدثنا عن موكب الرسل إلى أن وصل إلى عيسى عليه السلام وم
٢ رواه عبد الرزاق..
تفسير الشعراوي
الشعراوي