لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي، قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما خلا يهودي بمسلم إلا حدث نفسه بقتله )(١) والذين أشركوا يعني مشركي العرب لانهماكهم في اتباع الهوى وركونهم إلى التقليد وبعدهم عن التحقيق وتمرنهم على تكذيب الأنبياء ومعاداتهم ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى قال : البغوي : لا يريد جمع النصارى لأنهم في عداوة المسلمين كاليهود في قتل المسلمين وأسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم فلا كرامة لهم بل الآية فيمن أسلم منهم مثل النجاشي وأصحابه، وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والطبراني عن عبد الله بن الزبير قال : نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه إذا سمعوا الآية، وروى ابن أبي حاتم وغيره عن مجاهد قال : هم الوفد الذين جاؤا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة، وكذا أخرج عن عطاء إنما يراد به النجاشي وأصحابه، وقيل نزلت في جميع اليهود وجميع النصارى، لأن اليهود أقسى قلبا والنصارى ألين قلبا منهم وكانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود، قلت : عموم لفظ الآية يقتضي أن لا يراد بهم جماعة، معينة منهم، وإن كان سبب النزول قصة النجاشي كيف والجماعة المعينة من اليهود يعني الذي أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وكعب الأحبار أيضا بهذه الصفة فلا وجه للتفرقة بين اليهود والنصارى، بل الظاهر أن المراد بالنصارى هاهنا الذين هم كانوا على الدين الحق دين عيسى قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم منهم النجاشي دون القائلين بأن المسيح هو الله أو ثالث ثلاثة فإن تلك الفرق من النصارى مثل اليهود في كونهم على الباطل قاسية قلوبهم متبعين أهوائهم كأهل نجران، وأما من كان منهم على الدين الحق ووصية عيسى عالمين بالإنجيل منتظرين ظهور رسول يأتي من بعد عيسى اسمه أحمد صلى الله عليه وسلم مشتغلين بالعلم والعمل معرضين عن الدنيا كانت قلوبهم صافية لأجل إيمانهم بعيسى قبل مبعث سيد الرسل عليهم الصلاة والسلام يدل قوله تعالى ذلك القرب مودة للمؤمنين بأن أي بسبب أن منهم أي من النصارى قسيسين ، قال : البغوي : القس والقسيس العالم بلغة الروم، وفي القاموس هو رئيس النصارى في العلم والقس مثلثة تتبع الشيء وطلبه، في الصحاح هو العالم العابد من رؤس النصارى وأصل القس تتبع وطلبه بالليل كأنهم سموا بذلك لأن العلماء والعباد يطلبون العلم ووحدة الوجهة إلى الله سبحانه في الظلمات الليالي ورهبانا جمع راهب كالركبان جمع راكب وهم العباد وأصحاب الصوامع في القاموس رهب كعلم خاف والترهب التعبد وأنهم لا يستكبرون عن قبول الحق إذا دعوا إليه ويتواضعون ولا يتكبرون كاليهود، قال قتادة نزلت هذه الآية في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى عليه السلام فلما بعث الله سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم صدقوه وآمنوا به فأثنى الله عز وجل عليهم بقوله ذلك بأن منهم قسيسين الآية، قلت : وهؤلاء القوم من النصارى الذين كانوا على الدين الحق قبل البعثة وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعدها هم المراد بأهل الكتاب في قوله ل صلى الله عليه وسلم :( ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد )(٢) الحديث متفق عليه عن أبي موسى الأشعري والله أعلم قال أهل التفسير : ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فافتن من افتتن وعصم الله منهم من شاء ومنع الله تعالى رسوله بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة قال :( إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا ) وأراد به النجاشي واسمه أصحمة وهو بالحبشة عطية وإنما النجاشي اسم الملك مثل قيصر وكسرى، فخرج إليها سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة وهم عثمان ابن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام، وسهيل بن عمر، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أمية وعثمان بن مغظون، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت حشمة، وحاطب بن عمر وسهيل ابن بيضاء رضي الله عنهما أجمعين، فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار في رجب من السنة الخامسة من البعثة، وهذه الهجرة الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون إليها وكان جميع المهاجرين إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان. فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص صاحبه بالهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردهم إليهم فعصمهم الله، ذكرت القصة في التفسير سورة آل عمران في تفسير قوله تعالى : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوا وهذا النبي (٣) الآية. فلما أقام المسلمين هناك بخير وحسن جوار إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلا أمره وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يدي عمرو بن أمية الضميري سنة ست من الهجرة ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وقد هاجرت مع زوجها فمات زوجها وليبعث من عنده من المسلمين فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية له يقال لها أبرهة تخير بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطتها أوضاحا لها سرورا بذلك فأذنت خالد بن سعيد بن العاص حتى أنكحها على صداق أربعمائة دينار فأنقد إليها النجاشي أربعمائة دينار على أبرهة فلما جاءت بها أعطتها خمسين دينارا فردته، وقالت أمرني الملك أن لا آخذ منك شيئا وقالت أنا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت ومحمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت به وحاجتي منك أن تقرائيه مني السلام، قالت نعم وقد أمر الملك نسائه أن يبعثن إليك بما عندهن من عود وعنبر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عليها وعندها فلا ينكر، وقالت أم حبيبة فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلت عليه فكان يسألني عن النجاشي فقرأت عليه من أبرهة السلام فرد الرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى :( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم ) يعني أبا سفيان ( مودة ) يعني بتزويج أم حبيبة ولما جاء أبا سفيان تزوج أم حبيبة قال : ذلك الفحل لا يقرع أنفه.
وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه أرها بن أصحمة ابن الجرفي ستين رجلا من الحبشة وكتب إليه يا رسول الله أشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت لله رب العالمين، وقد بعثت إليك بابني أرها وأنت إن شئت أن آتيك بنفسي فعلت والسلام عليك يا رسول الله، فركبوا سفينة في آثر جعفر وأصحابه حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا ووافى جعفر وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام فأنزل الله تعالى هذه الآية ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى يعني وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم سبعون وكانوا أصحاب الصوامع، وقال : مقاتل والكلبي كانوا أربعين رجلا اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وقال : عطاء كانوا ثمانين رجلا أربعون من أهل نجران من بني الحارث واثنان وثلاثون من أهل الحبشة وثمانية من أهل الشام روميون.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والواحدي من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن بكر بن عبد الرحمان وعروة بن الزبير مرسلا قالوا : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه كتابا إلى النجاشي فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأرسل إلى الرهبان والقسيسين، ثم أمر جعفر ابن طالب فقرأ عليهم سورة مريم فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل فيهم ولتجدن أقربهم مودة إلى قوله فاكتبنا مع الشاهدين
أنظر فيض القدير (٧٠٩٣)..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله (٩٧)وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جمبع الناس(٢٠٤)..
٣ سورة آلا عمران، الآية: ٦٨..
التفسير المظهري
المظهري