ثم قرّر ذلك بأن بيّن ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم فقال : إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أن يُوقِعَ بَينَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبغضَاءَ فِي الخَمرِ وَالمَيسِرِ ، وقد وقع ذلك في زمن الصحابة، وهي كانت سبب تحريمه، ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة ؛ إنما خصّ الخمر والميسر بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيهًا على أنهما المقصودان بالبيان. وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :" شَارِبُ الخَمرِ كَعَابِد الوَثَنِ ". ١
وخصّ الصلاة من الذكر بالإفراد ؛ للتعظيم والإشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان ؛ من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر، ثم أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبًا على ما تقدم من أنواع الصوارف فقال : فهل أنتم منتهون ؟ إيذانًا بإن الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية، وأن الأعذار قد انقطعت. ه. ولذلك لما سمعها الفاروق رضي الله عنه حين نزلت، قال :( قد انتهينا يا ربنا ).
وبهذا الآية وقع تحريم الخمر، وقد كان حلالاً قبلها، بدليل سكوته صلى الله عليه وسلم على شربها قبل نزول الآية، فإن قلت : حفظ العقول من الكليات الخمس التي اتفقت الشرائع على تحريمها ؟ قلنا : لا حكم قبل الشرع، بل الأمر موقوف إلى وروده، ولما طالت الفترة، وانقطعت الشرائع عند العرب، رجعت الأشياء إلى أصلها من الإباحة بمقتضى قوله تعالى : خَلَقَ لَكُم مَّا في الأَرْضِ جَمِيعًا [ البَقَرة : ٢٩ ]، حتى جاءت الشريعة المحمدية فحرمتها كالشرائع قبلها، فكانت حينئٍذ حرامًا، ودخلت في الكليات الخمس التي هي : حفظ العقول والأبدان والأموال والأنساب والأديان.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي