ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

قال: «فالله أحق أن يعفو ويصفح»
«١» والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ذلِكَ المذكور كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وحنثتم وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ أي قللوا الأيمان وضنوا بها كَذلِكَ أي مثل ذلك التبيين لحكم الأيمان يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي أعلام شريعته لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) نعمته فيما يعلمكم. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ أي المسكر وَالْمَيْسِرُ أي القمار وَالْأَنْصابُ أي الأصنام التي نصبها المشركون ويعبدونها وَالْأَزْلامُ سهام مكتوب عليها خير وشر رِجْسٌ أي قذر تعاف عنه العقول عنه العقول مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أي من الأمور التي يزينها للنفس فَاجْتَنِبُوهُ أي الرجس لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) أي لكي تنجوا من العذاب
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ إذا صرتم نشاوى كما فعل الأنصاري الذي شجّ رأس سعد بن أبي وقاص بلحى الجمل وَالْمَيْسِرِ إذا ذهب مالكم وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ لأن شرب الخمر يورث اللذة الجسمانية والنفس إذا استغرقت فيها غفلت عن ذكر الله وعن الصلاة، ولأن الشخص إذا كان غالبا في القمار صار استغراقه في لذة الغلبة مانعا من أن يخطر بباله شيء سواه فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) أي قد بينت لكم مفاسد الخمر والميسر فهل تنتهون عنهما أم أنتم مقيمون عليهما كأنكم لم توعظوا بهذه المواعظ؟ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في أمرهما بالاجتناب عن الخمر والميسر وَاحْذَرُوا عن مخالفتهما في التكاليف فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي أعرضتم عن طاعتهما وعن الاحتراز عن مخالفتهما فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) أي فالحجة قامت عليكم والعلل انقطعت لأن الرسول قد خرج عن عهدة التبليغ كمال الخروج، وما بقي بعد ذلك إلا العقاب وهذا تهديد شديد لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ أي إثم فِيما طَعِمُوا من الخمر ومن مال اللعب بالملاهي إِذا مَا اتَّقَوْا أن يكون في ذلك الشيء من المحرمات أي إذا عملوا الاتقاء وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي واستمروا على الإيمان والأعمال الصالحة ثُمَّ اتَّقَوْا ما حرم عليهم بعد ذلك وَآمَنُوا بتحريمه ثُمَّ اتَّقَوْا أي استمروا على اتقاء المعاصي وَأَحْسَنُوا أي اتجروا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣).
روي أنه لما نزلت آية تحريم الخمر قالت الصحابة: إن إخواننا كانوا قد شربوا الخمر يوم أحد ثم قتلوا فكيف حالهم؟ فنزلت هذه الآية.
وروى أبو بكر الأصم: أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار؟ وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها؟ فأنزل الله هذه الآيات. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ أي ليختبرن الله طاعتكم من معصيتكم بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ أي من صيد البر تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ.

(١) رواه أحمد في (م ١/ ص ٢١٢).

صفحة رقم 292

قال مقاتل بن حبان: ابتلاهم الله بصيد البر وهم محرمون عام الحديبية حتى كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذ الطير بالأيدي، والوحش بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط فنهاهم الله عنها ابتلاء لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ أي ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم من يخافه حال كون الله تعالى غير مرئي له غائبا عن رؤيته أو يخافه بإخلاص القلب فيترك الصيد فَمَنِ اعْتَدى بالتعرض للصيد بَعْدَ ذلِكَ أي بعد بيان أن ما وقع من الصيد ابتلاء من عند الله تعالى لتمييز المطيع من العاصي فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) وهو العذاب في الآخرة والتعزير في الدنيا.
قال ابن عباس: هذا العذاب هو أن يضرب بطنه وظهره ضربا وجيعا وينزع ثيابه. ولما قتل أبو اليسر بن عمرو صيدا متعمدا بقتله ناسيا لإحرامه أنزل الله تعالى قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أي محرمون أو داخلون في الحرم وَمَنْ قَتَلَهُ أي الصيد مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً أي بقتله مع نسيان الإحرام كما قاله مجاهد والحسن فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أي شبهه في الخلقة والتقييد بالتعمد، لأن الآية نزلت في المتعمد حيث قتل أبو اليسر حمار وحش وهو محرم عمدا ولأن الأصل فعل المتعمد، والخطأ ملحق بالعمد فيستوي في محظورات الإحرام العمد والخطأ في جزاء الإتلافات يَحْكُمُ بِهِ أي بمثل ما قتل ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي رجلان صالحان من أهل دينكم فقيهان عدلان فينظران إلى أشبه الأشياء بالمقتول من النعم فيحكمان به.
قال ميمون بن مهران: جاء أعرابي إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: إني أصبت من الصيد كذا وكذا. فسأل أبو بكر رضي الله عنه أبي ابن كعب فقال الأعرابي: أتيتك أسألك وأنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: وما أنكرت من ذلك، قال الله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فشاورت صاحبي فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به. وعن قبيصة بن جابر أنه حين كان محرما ضرب ظبيا فمات، فسأل عمر بن الخطاب وكان بجنبه عبد الرحمن بن عوف فقال عمر لعبد الرحمن: ما ترى؟ قال: عليه شاة، قال: وأنا أرى ذلك، فقال: اذهب فاهد شاة، قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت له: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره قال:
ففاجأني عمر وعلاني بالدرة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟ قال الله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن بن عوف وقد حكم ابن عباس وعمر وغيرهما بشاة في الحمام وهو كل ما عب وهدر من الطير كالقمري والدبسي هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ فهديا منصوب على التمييز والمعنى يحكمان بالمثل هديا يساق إلى الكعبة أي إلى أرض الحرم فينحر هناك أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ فقوله كفارة عطف على قوله فجزاء أي فعليه جزاء أو كفارة إلخ أو عطف على محل قوله من النعم وقوله: طعام مساكين عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة أَوْ عَدْلُ ذلِكَ أي أو مثل ذلك الطعام صِياماً فقوله: أو عدل عطف على طعام إلخ كأنه قيل: فعليه جزاء

صفحة رقم 293

مماثل للمقتول هو من النعم أو طعام مساكين، أو صيام أيام بعددهم فحينئذ تكون المماثلة وصفا لازما للجزاء يقدر به الهدي والطعام والصيام. أما الأولان فبلا واسطة، وأما الثالث فبواسطة الثالث فيختار الجاني كلا من هذه الثلاثة لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ أي جزاء ذنبه. والوبال في اللغة الثقل، وإنما سمى الله ذلك وبالا لأن أحد هذه الثلاثة ثقيل على الطبع لأن في الجزاء بالمثل والإطعام تنقيص المال، وفي الصوم إنهاك البدن. والمعنى أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التي كل واحد منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم وفي حال الإحرام عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ أي لم يؤاخذ بقتل الصيد قبل هذا النهي والتحريم لأن قتله إذ ذاك مباح وَمَنْ عادَ إلى قتل الصيد بعد النهي عنه فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ أي فهو ينتقم الله منه في الآخرة مع لزوم الكفارة وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي غالب لا يغالب ذُو انْتِقامٍ (٩٥) أي ذو عقوبة شديدة أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ أي أحل لكم أيها الناس صيد جميع المياه العذبة والملحة بحرا كان أو نهرا، أو غديرا أي اصطياد صيد الماء والانتفاع به بأكله ولأجل عظامه وأسنانه، وأحل لكم طعام البحر أي أكله. فالصيد كما قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه.
قال الشافعي رحمه الله: السمكة الطافية في البحر محللة والسمك عنده ما لا يعيش في الماء ولو كان على صورة غير المأكول من حيوان البر كالآدمي والكلب والخنزير، فهذا كله حلال عنده بخلاف ما يعيش في الماء والبر كالسرطان والضفدع والتمساح، والسلحفاة وطير الماء.
وحجة الشافعي القرآن والخبر: أما القرآن: فهو قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ فما يمكن أكله يكون طعاما فيحل. وأما الخبر:
فقوله صلّى الله عليه وسلّم في حق البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»
«١» نزلت هذه الآية في قوم من بني مدلج كانوا أهل صيد البحر سألوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن طعام البحر وعمّا حسر البحر عنه ومعنى قوله: وَطَعامُهُ أي ما حسر عنه البحر وألقاه مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ أي أحل لكم ذلك لأجل انتفاعكم وللمسافرين منكم يتزودونه قديدا، فالطري للمقيم والمالح للمسافر وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً أي محرمين أو في الحرم فمذهب أبي حنيفة يحل للمحرم أكل ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يشر إليه ولم يدل عليه، وكذا ما ذبحه قبل إحرامه لأن الخطاب للمحرمين فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم في البر فيخرج منه مصيد غيرهم.
وعند مالك والشافعي وأحمد: لا يباح ما صيد له فإن لحم الصيد عندهم مباح للمحرم

(١) رواه الدارمي في كتاب الوضوء، باب: الوضوء في ماء البحر.

صفحة رقم 294

بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له والحجة فيه ما
روى أبو داود في سننه عن جابر قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصطد لكم»
«١» وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) لا إلى غيره حتى يتوهم الخلاص من أخذه تعالى بالالتجاء إلى غيره فاخشوه تعالى في جميع المعاصي جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ أي صيّر الله الكعبة سببا لحصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وخلق الدواعي في قلوب الناس لتعظيمها حتى صار أهل الدنيا يأتون إليها من كل فج عميق لأجل التجارة فصار ذلك لإسباغ النعم على أهل مكة، وكان العرب يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم وجعل الله في الكعبة الطاعات الشريفة والمناسك العظيمة وهي سبب لحط الخطيئات ورفع الدرجات، وكثرة الكرامات، وصار أهل مكة بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة وكل أحد يعظمهم وَالشَّهْرَ الْحَرامَ أي وجعل الله الشهر الحرام سببا لقوام معيشتهم فإن العرب كان يقتل بعضهم بعضا في سائر الأشهر، ويغير بعضهم على بعض فإذا دخل الشهر الحرام الذي هو ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم وَالْهَدْيَ أي وجعل الهدي سببا لقيام الناس، وهو ما يهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكا للمهدي وقواما لمعيشة الفقراء. وَالْقَلائِدَ أي وجعل الله الأشخاص الذين يتقلدون بلحاء شجر الحرم سببا لأمنهم من العدو فإنهم كانوا إذا رأوا شخصا جعل في عنقه تلك القلادة عرفوا أنه راجع من الحرم فلا يتعرضون له ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي ذلك التدبير اللطيف من الجعل المذكور لأجل أن تتفكروا فيه أنه تدبير لطيف فتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، فإن جعل ذلك لأجل جلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل الوقوع دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن، ثم إذا عرفتم أن علمه تعالى صفة قديمة واجبة الوجود فوجب كونه متعلقا بجميع المعلومات فلذلك قال تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) فلا يخرج شيء عن علمه المحيط اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لما ذكر الله تعالى أنواع الرحمة ذكر بعده شدة عذابه تعالى لأن الإيمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف كما
قال صلّى الله عليه وسلّم: «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا»
«٢» ثم ذكر عقبه ما يدل على الرحمة دلالة على أنها أغلب فقال

(١) رواه أبو داود في كتاب المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم، والترمذي في كتاب الحج، باب: ٢٥، والنسائي في كتاب المناسك، باب: إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال، وأحمد في (م ٣/ ص ٣٦٢).
(٢) رواه السيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة (١٣٣).

صفحة رقم 295

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية