إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء ومن المفاسد الدينية بقوله : وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة .
قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ فيه زجر بليغ يفيده الاستفهام الدال على التقريع والتوبيخ. ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما سمع هذا : انتهينا.
وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال : أنزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته، فيقول صنع بي هذا أخي فلان وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، والله لو كان بي رؤوفاً رحيماً ما صنع بي هذا حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله هذه الآية : يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر إلى قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ فقال ناس من المتكلفين : هي رجس، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفلان قتل يوم أحد ؟ فأنزل الله هذه الآية : لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ الآية. وقد رويت في سبب النزول روايات كثيرة موافقة لما قد ذكرناه.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : الميسر هو القمار كله. وأخرج ابن مردويه، عن وهب بن كيسان قال : قلت لجابر متى حرّمت الخمر ؟ قال : بعد أحد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة قال : نزل تحريم الخمر في سورة المائدة، بعد غزوة الأحزاب.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال : كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن عليّ بن أبي طالب قال : النرد والشطرنج من الميسر. وأخرج عبد بن حميد عن عليّ قال : الشطرنج ميسر الأعاجم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن القاسم بن محمد، أنه سئل عن النرد أهي من الميسر ؟ قال : كل من ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذمّ الملاهي، والبيهقي في الشعب، عنه أيضاً أنه قيل له : هذه النرد تكرهونها فما بال الشطرنج ؟ قال : كل ما ألهي عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر. وأخرجوا أيضاً عن ابن الزبير قال : يا أهل مكة بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها النردشير، والله يقول في كتابه : يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر إلى قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ وإني أحلف بالله لا أوتي بأحد يلعب بها إلا عاقبته في شعره وبشره، وأعطيت سلبه من أتاني به.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن أنس قال : الشطرنج من النرد، بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم فأحرقها. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن عبد الله بن عمير قال : سئل ابن عمر عن الشطرنج ؟ فقال هي شرّ من النرد. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن عبد الملك بن عبيد قال : رأى رجل من أهل الشام أنه يغفر لكل مؤمن في كل يوم اثنتي عشرة مرّة إلا أصحاب الشاه، يعني أصحاب الشطرنج. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جعفر أنه سئل عن الشطرنج، فقال تلك المجوسية فلا تلعبوا بها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من لعب بالنردشير فقد عصى الله ورسوله» وأخرج أحمد عن عبد الرحيم الخطمي، سمعت رسول الله يقول :«مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي» وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمر قال : اللاعب بالنرد قماراً كآكل لحم الخنزير، واللاعب بها من غير قمار كالمدّهن بودك الخنزير. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن يحيى بن كثير قال : مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يلعبون بالنرد فقال :«قلوب لاهية وأيدي عليلة وألسنة لاغية» وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، عن قتادة قال : الميسر القمار.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، من طريق ليث عن عطاء وطاوس، ومجاهد قالوا : كل شيء فيه قمار، فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عن ابن سيرين قال : القمار من الميسر. وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، عن يزيد بن شريح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«ثلاث من الميسر : الصفير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب» وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الأنصاب حجارة كانوا يذبحون لها، والأزلام : قداح كانوا يستقسمون بها الأمور. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : كانت لهم حصيات إذا أراد أحدهم أن يغزو أو يجلس استقسم بها. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الأزلام قال : هي كعاب فارس التي يقتمرون بها، وسهام العرب. وقد وردت أحاديث كثيرة في ذمّ الخمر وشاربها، والوعيد الشديد عليها، وأن كل مسكر حرام، وهي مدوّنة في كتب الحديث، فلا نطوّل المقام بذكرها، فلسنا بصدد ذلك، بل نحن بصدد ما هو متعلق بالتفسير.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني