إذن فالعداوة مسبقة بين آدم والشيطان، فكيف إذن نقبل نحن أبناء آدم وسوسته ؟ وكيف نقبل نزغه ؟ وكيف نقبل إغراءه ؟ لا بد إذن أن نتجنب ذلك لأنه رجس من عمل الشيطان، حتى ننجو من كل سوء، ويأتي لنا كل الفلاح.
ويقول الحق :
إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون( ٩١ ) .
لم يأت الحق هنا بالأنصاب أو الأزلام ؛ لأن المؤمنين لا يعتقدون فيها وانتهوا منها، والخطاب هنا موجه للمؤمنين.
إذن لماذا قرن الحق التكليف بالنهي عن الخمر والميسر – من قبل – بالأنصاب والأزلام ؟ قال سبحانه ذلك ليبشع لنا الأمر، فوضع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام، ولنفهم أن الحكم بالنهي عن الخمر والميسر جاء ليقرنهما بالأنصاب والأزلام، وما دموا مؤمنين فلا بد أنهم قد انتهوا عن الأنصاب والأزلام.
ويقول سبحانه : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء . والإرادة هي تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه، وتتعلق الإرادة بمريد، فهل يقدر على إنفاذ ما يريد أم لا يقدر ؟ إن كان يقدر على إنفاذ ما يريد، فالقدرة تكون من بعد الإرادة.
وحينما يريد سبحانه وتعالى، فالقدرة تبرز المراد، فقدرته لا تتخلف ولا مراده يتخلف ؛ لأن كل شيء منفعل له سبحانه وتعالى، وتختلف المسألة عند الإنسان والشيطان، فالإنسان يريد، ولكن أله القدرة على إنفاذ ذلك ؟ أحيانا تكون له بعض من القدرة على إنفاذ ما يريد، وأحيانا لا.
والشيطان يريد، لكن أيقدر على إنفاذ ما يريد ؟ إنه يقدر في حالة إطاعة الإنسان له. وهكذا تكون إرادة الشيطان، وهو يحب أن تحدث المعصية من الإنسان، ويتمنى الشيطان ذلك، ويخطط لذلك. لكن الفعل لا يأتي إلى الوجود إلا إذا وافق الإنسان على طاعة الشيطان.
إذن فالإرادة إن كانت ممن يقدر على الإرغام والإبراز فهي تظهر العمل فورا، والقادر المطلق هو الله، وهو يحكم ما يريد، ولذلك يأتي قوله الحق :
إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( ٨٢ ) ( سورة يس )
لكن خلقه حين يريدون فالأشياء لا تنفعل لهم انفعالها لخالقها ؛ لأن إرادة المخلوقات تقتضي أن ينفذ الإنسان على قدر طاقته، وهي مهما زادت محدودة. وإرادة الشيطان تحتال على الإنسان حتى يفعل ما يتمناه، ولا يستطيع الشيطان أن يكره الإنسان قهرا على فعل ما، ولكنه يزين له الفعل. فليس للشيطان سلطة الإكراه ليقهر الإنسان على فعل، وليس للشيطان قدرة على الإقناع أو الإتيان بأدلة تجعل الإنسان يفعل مراد الشيطان وهو راض عن عمله. ولذلك يقول الشيطان في الآخرة للمذنبين : إن الذنب ذنبهم.
وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ( من الآية ٢٢ سورة إبراهيم )
هكذا يعلن الشيطان أنه قادر على البشر، لا بالقهر ولا بالحجة، إنه فقط زين لهم الأمر، فمن كانت له شهوة فالشيطان يزينها له فيرتكب الذنب. ويعلن الشيطان :
ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي ( من الآية ٢٢ سورة إبراهيم )
ويعترف الشيطان أنه مهما صرخ مستغيثا – يوم القيامة – فلن يجد من يغيثه، وكذلك أصحاب الذنوب الذين اتبعوه سيصرخون ولن يجدوا من الشيطان عونا ينجيهم من العذاب. و ( أصرخ فلان فلانا ) أي ذهب ليزيل صراخه وينجده. إذن فقول الحق : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء يشرح لنا أن إرادة الشيطان هي إرادة تزيين، لا إرادة قدرة على القهر أو الإقناع. وإذا سمعت كلمة ( يوقع )، فافهم أن هناك شيئين الأصل فيهما الالتحام، وهناك من يريد أن يجعل بينهما شيئا يفصل هذا الالتحام. ولذلك يقال :( فلان مشى بالوقيعة ) أي أنه أراد أن يصنع فجوة وشرخا بين اثنين الأصل فيهما الالتحام.
وكلمة ( بينكم ) تفيد الانفصال. وهذا الانفصال هو الذي توضع فيه الوقيعة. لماذا ؟ لأن المؤمنين إخوة، لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، والشيطان يسعى بالخمر والميسر بأن يمشي بالوقيعة بين المؤمنين. ونجد مجالس الخمر فيها هذا ؛ فالشاربون معا كثيرا ما تقوم بينهم المعارك ويدور بينهم السباب. ولاعبو الميسر يأخذ بعضهم مال بعض، وهكذا يتحولون من وحدة كالبنيان إلى فرقة وتحدث بينهما العداوة والبغضاء.
وما الفرق بين العداوة والبغضاء ؟ العداوة هي انفصال متلاحمين حدثت بينهما عداوة وبغضاء. والبغضاء هي انفعال القلب بشيء مكروه. كأن البغضاء توجد في الصدور بعد حصول العدوان، فكأن العداوة تكون هي المنطقة الوسط التي باعدت بين هذين الشخصين بعد أن استسلما لنزغ الشيطان وهذان الاثنان كان يجمعهما من قبل الصفاء والمودة والحب والأخوة الإيمانية.
والعداوة في هذه الحالة تأخذ من مشاعر كل طرف ؛ لأن العداوة إن كانت من طرف واحد فعمرها قصير، ولكنها تطول إن كانت بين طرفين. ولذلك تكون المعركة حامية بين عدوين يستشعر كل منهما العداوة للآخر. وهي تكون عداوة مؤججة وملتهبة إن لم يتدخل طرف ثالث ليحسم بالحق بين الاثنين، فيخزي الذي على الباطل ويأخذ الحق منه ويعطيه لصاحبه، وهنا يحس صاحب الحق أن هناك من ينصره. وبهذا تحسم العداوة وتنقضي. لكن إن لم يجد الطرفان رادا ولا رادعا، تظل العداوة متوهجة. ولذلك حينما عرض الحق أمر موسى عليه السلام وأمر فرعون، قال عن موسى :
فالتقطه آل فرعون ( من الآية ٨ سورة القصص )
والتقطوا موسى لماذا ؟ ليكون لهم عدوا وحزنا ( من الآية ٨ سورة القصص )
فهل عرفوا هم من البداية أنه عدو ؟ لا، لقد التقطوه ليكون قرة عين لهم، ولكن الله أفسد مرادهم. فاللام في قوله :( ليكون ) هي لام الغاية والعاقبة وليس لام العلة الفاعلة، وقد أثبت سبحانه بذلك أن فرعون ليس إلها، وأن أتباعه كانوا قوما مغفلين لا فطنة لهم. فلو كان فرعون إلها لعرف أن هذا الوليد الذي سيربيه سيكون عدوا له.
والعداوة هنا هل هي من ناحية موسى فقط تجاه فرعون ؟ لا، إنها عداوة بين الله وموسى كطرف، وفرعون كطرف. لذلك قال :
فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له ( من الآية ٣٩ سورة طه )
ولم تنته هذه العداوة إلا بغرق فرعون. والحق ينبهنا : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر و ( في ) هنا هي للسببية كقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :( دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت )١.
ونقول في حياتنا اليومية : أخذ فلان إلى الحبس لمدة أعوام في قطعة مخدرات. أي أنه أوقع نفسه في المكروه بسبب شيء ما. وقوله الحق : في الخمر والميسر دلت على أن العداوة والبغضاء مظروفة في الخمر والميسر. ويقول بعد ذلك : ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون .
إن ذكر أي أمر يعني أن يكون هذا الأمر في بؤرة الشعور دائما، فكل معلومة يذكرها الإنسان تكون في بؤرة شعوره، ومن بعد ذلك تتحرك لتحل محلها معلومة أخرى. وعندما يكون بال الإنسان مشغولا بشيء فهذا الشيء لا يتزحزح من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور إلا بعد أن يأتي أمر آخر يشغل البال.
ولذلك نقول : إياكم أن تعتقدوا أن الذهن يفهم أي أمر من مرة واحدة أو من مرتين أو من ثلاث مرات. لا، بل يفهم الذهن من مرة واحدة كآلة التصوير، والمهم أن يكون ساعة التقاط المعلومة خاليا من غيرها ؛ ولذلك كنا نعرف أن إخواننا المكفوفين الدارسين معنا أقدر على الاستيعاب الحفظي منا نحن المبصرين ؛ لأن المبصر عندما يكون بصدد مسألة قد تنشغل عيناه بشيء، فتكون بؤرة شعوره مشتتة. أما الأعمى فبؤرة شعوره تذكر فقط ما يسمعه.
وهكذا نعرف ما هو ( الذكر ). والخمر تطمس العقل وتستره فكيف يذكر الله إذن ؟ وكذلك الصلاة، وهي خير الذكر، تسترها الخمر عنا. وكذلك الميسر الذي يلوح فيه الوهم بالكسب كالسراب، فيلهث اللاعب خلف اللعب لعله يكسب، ويفقد القدرة على ذكر الله والصلاة.
ولأن العداوة مسبقة بين الإنسان والشيطان، نجد الشيطان قد قال فيما يحكيه الحق عنه :
فبعزتك لأغوينهم أجمعين ( ٨٢ ) ( من الآية ٨٢ سورة ص )
قد عرف الشيطان كيف يقسم ؟ أقسم بعزة الله أن يغوي خلقه، فلو أن الله أراد عباده لما أخذهم الشيطان. ويذيل الحق أمر الخمر والميسر بقوله : فهل أنتم منتهون . هذا استفهام، وهو طلب فهم الشيء، هذا ما نعرف عندما يكون الاستفهام من البشر، ولكن عندما يصدر هذا الاستفهام من الله لنا، فهذا أمر الآمر سبحانه وتعالى. كيف ؟ إن هناك أمرا من الآمر هو حكم لازم. وهناك أمر يريد الله من المأمور ليأمر به نفسه.
وهي ثقة من الآمر الأعلى في الإنسان المؤمن الذي يتلقى مثل هذا الأمر. مثال ذلك – ولله المثل الأعلى – يقول الأب لأحد أبنائه : إن إهمالك لدروسك سيجعلك تنال غضبي واحتقار زملائك لك وتتأخر عن غيرك، فهل ستنتهي من اللعب واللهو أولا ؟ ولم يقل : انته عن اللعب ؛ لأن الأب أراد أن يأتي بالحيثيات حتى يحكم الابن بنفسه، وحتى يدير المسألة بمقابلها، ولا يجد إلا أن يقول : لقد انتهيت عن اللعب.
وهنا جاءت المسألة أيضا على هذا الشكل، فبدلا من أن تكون حكما من الله أصبحت حكما من العبد المأمور. وهذا أبلغ أنواع الحكم ؛ لأن المتكلم يلقي بالأمر في صيغة سؤال، ليدير المسئول كل جواب فلا يجد إلا الجواب الذي يريده السائل. ومثال ذلك عندما فتر الوحي عن حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال أهل قريش : إن رب محمد قد قلاه وأبغضه وكرهه، ثم نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى :
ما ودعك ربك وما قلى ( ٣ ) ( سورة الضحى )
ويتابع الوحي : ألم يجد يتما فآوى ( ٦ ) ( سورة الضحى )
وعندما يستقرئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه المسألة يجيب : نعم يا رب أنت وجدتني يتيما فآويتني. وهذا يسمونه مشاركة المأمور في علة الآمر. وهذا أبلغ أنواع الأمر.
وعندما يقول الحق : فهل أنتم منتهون يعلم المخاطبون ماذا يريده الله، فيقولون : نعم انتهينا يا ربنا. وبالغوا كثيرا في هذا الانتهاء، فالإمام علي – كرم الله وجهه – يقول : لو وقعت قطرة منها في بحر جف البحر، ونبت فيه الكلأ واندلع لساني من الجوع ما قربته. ولم يكن هذا أمرا مفروضا، ولكنها المبالغة في الانتهاء على أقصى صورة.
وها هو ذا سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يقول : لو وقعت قطرة منها على يدي لحرمتها على نفسي. وهكذا كان رد فعل قول الحق : فهل أنتم منتهون . وبذلك تم حسم مسألة الخمر. ونعرف أن التكليف في تحريم الخمر جاء متدرجا، والتكاليف الإيمانية إنما تأتي على لسان رسول، والرسول لا يأتي إلا إذا عم الفساد في المجتمع، وفي ذوات البشر في آن واحد. فلا نجد من يلوم نفسه، أو يتدخل ليرد آخر عن فساده ؛ هنا تتدخل السماء بإرسال رسول، ولا تصب السماء كل أحكامها في أول الأمر، ولكنها تدعو من خلال الرسول بالإيمان بالله الواحد حتى يتلقوا منه الحكم. فالإيمان بوحدانية الله هو قمة العقيدة التي لا هوادة فيها.
لكن في الأمور التي تتعلق بالأحكام، فالأحكام تغير أوضاعا عرفية وأوضاعا اجتماعية متداولة بين الناس. فإذا أراد الله أن يغير عادة بحكم فهو يأتي بهذه المسألة تدر
تفسير الشعراوي
الشعراوي