الحق سبحانه قال عن المساء المساء رفعها (٧) [الرحمن] وقال عن الأرض وضعها... أي: جعلها منخفضة ومنبسطة، وقال سبحانه: الأرض مهدا... (٥٣) [طه] فهي ممهدة وقال مهادا (٦) [النبأ تحمل الإنسان كما حمل المهد الطفل، فالأرض وضعت ليستقر عليها الإنسان،
ومعنى للأنام لبني الإنسان، وقالوا: بل يدخل فيها الأنام كل ذي روج، فالحيوانات بهذا المعنى هي من الأنام، لأنها تأكل من زرع الأرض وتعيش عليها، وقالوا: الجن أيضا من الأنام.
ونلاحظ في هذه الآية العموم في الأرض فلم يخصصها أرض من، وهذا يعني الشمول، فالأرض أي كل أرض في أي مكان، كذلك الأنام أي أنام فأرض الله في كل مكان لعباد الله في كل مكان.
وهذا المعنى نفهمه من قوله تعالى: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (٩٧) [النساء].
فأرض الله للجميع، إذا ضاقت عليك الحياة هنا فاذهب إلى مكان آخر فيه متسع، وهذه في حد ذاتها كفيلة بأن تحل مشاكل العالم اليوم لو أخذوا بها، لكن الحاصل أنهم قطعوا أوصال هذه الوحدة الطبيعية التي أرادها الخالق للخلق ووضعوا فيما بينهم الحدود والحواجز.
ومن العجيب أن نراهم يختلفون على عدة أمتار على حدودهم وهم يعيشون على مئات بل آلاف الكيلومترات من أرض الله، ثم لك أن تتأمل الخريطة وترى رسم الحدود بين الدول الآن، هل تراها على شكل مستقيم؟
لا بل هي متعرجة وملتوية ومتداخلة بعضها في بعض فهكذا أرادها الحق سبحانه، الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام.
ونحن الآن نرى أرضا تكاد تنفجر من كثرة عدد السكان لكن فيها قلة موارد، وعلى النقيض نرى أرض خالية من السكان مليئة بالموارد المهملة التي لا تجد يستخرجها، فهل هذا هو الميزان العادل الذي قامت عليه أمور الخلق؟ لا والله بل هذا جور وطغيان في الميزان.
ولك أن تنظر إلى الحدود المصطنعة والأسوار والمطارات والأبواب وما يحكمها من قوانين صارمة وتأشيرات دخول وشروط، حتى أنك تستغرق شهر وشهورا تعد في أوراق وتأشيرات لتتمكن من دخول بلد كذا وكذا.
ثم ترتب على هذا الفصل بين الحدود وجود الخلافات الدولية. والتمييز العنصري، وانفراد أصحاب الثروات بثرواتهم، فنشأت الحروب والصراعات كما ترون.
تفسير الشعراوي
الشعراوي