ولا تبخسوا (١). وهذا كقوله تعالى ذكره وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين: ٣] أي ينقصون. وروى أهل اللغة: أخسرت الميزان وخسرته ومنه قراءة بلال بن أبي بردة (٢) وَلَا تُخْسِرُوا بفتح التاء (٣)، وهذا كقوله وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ [هود: ٨٤] (٤) وذكرنا معنى نقص الميزان وكيفيته في سورة هود.
١٠ - قوله: وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ قال الكلبي: بسطها على الماء للأمام (٥). قال الليث: الأنام ما ظهر على الأرض من جميع الخلق ويجوز في الشعر الأنيم (٦).
واختلف المفسرون في تفسير الأنام، فروى عكرمة عن ابن عباس لِلْأَنَامِ للناس (٧)، وعن مجاهد وقتادة والضحاك: للخلق والخلائق، وعن عطاء: لجميع الخلق.
وقال الكلبي: للخلق كلهم الذين بثهم فيها، وهذه الأقوال تدل على
(٢) هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قاضي البصرة، مقل، مات سنة نسِف وعشرين ومائة. انظر: "تقريب التهذيب" ١/ ١٩.
(٣) انظر: "مختصر ابن خالوية" ص ١٤٩، و"الكشف والبيان" ٣٤/ ١٢ ب، و"الكشاف" ٤/ ٥، و"البحر المحيط" ٨/ ١٨٩.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" ٧/ ١٦٢، و"اللسان" ١/ ٨٢٩ (خسر).
(٥) انظر: "تنوير المقباس" ٥/ ٣١٤.
قال الألوسي: ثم إن كونها على الماء مبني على ما اشتهر أنه -عز وجل- خلق الماء قبلها وخلقها سبحانه من زبدة. "روح المعاني" ٢٧/ ١٣.
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" ١٥/ ٧٥ (أنم).
(٧) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٥٥، و"الدر" ٦/ ١٤١.
أن المراد با لأنام كل ذي روح، وهو قول الشعبي (١)، وقال الحسن: للجن والإنس (٢)، وهو اختيار أبي إسحاق (٣).
قوله: فِيهَا فَاكِهَةٌ أي في الأرض فاكهة، يعني كل ما يتفكه من ألوان الثمار. وذكر ابن عباس منها العنب والتين والخوخ والتفاح (٤).
وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ معنى الكم في اللغة ما ستر شيئًا وغطاه، ومنه كم القميص، ويقال للقلنسوة كمة، وأكمام الزرع: غلفها، وذكرنا ذلك عند قوله وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا (٥) قال ابن عباس: يريد الطلع (٦)، قال الكلبي: ذَاتُ الْأَكْمَامِ ذات الغلف، وثمرها في غلف الكُفُرَّاه: ما لم تنشق وهي كمه (٧)، فإذا انشقت منها الكفراه فليست أكمامها. وقال الحسن وقتادة: أكمامها ليفها (٨).
(٢) انظر: ، جامع البيان" ٢٧/ ٧، و"الكشف والبيان" ١٢/ ٣٤ ب، و"الدر" ٦/ ١٤١.
(٣) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ٩٧، قلت: ولعل الصواب أن المراد بالأنام جمع ذوات الأرواح من الجن والإنس وغيرهم، فقد روى البخاري في "صحيحه"، كتاب بدء الخلق، باب في النجوم، قال: قال ابن عباس: الأنام الخلق، وأخرجه ابن جرير في "جامعه" ٧/ ١٧، من طريق علي بن أبي طلحة.
(٤) لم أجده.
(٥) عند تفسيره للآية (٤٧) من سورة فصلت. وانظر: "تهذيب اللغة" ٩/ ٤٦٥، و"اللسان" ٣/ ١٩٦ (كمم)
(٦) انظر: "جامع البيان" ٧/ ٢٧، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٦٧، عن ابن زيد.
(٧) انظر: "تنوير المقباس" ٥/ ٣١٤، والكافور: وعاء الطلح قبل أن ينشق. وهو الكَفَرُ، والكُفُرَّي، والكِفِوى، والكَفَرَّى، والكُفَرَّي.
(٨) انظر: "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٢٦٢، و"جامع البيان" ٢٧/ ٧، و"الثعلبي" ١٢/ ٣٥ أ.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي