ﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

وله الجوارِ أي : السفن، جمع : جارية، المُنشَئاتُ المرفوعات الشُرَّع، وقرأ حمزة ويحيى بكسر الشين، أي : الرافعات الشُروع، أي القلاع، أو : اللاتي يُنشئن الأمواج بمَخْرهن في البحر كالأعلام كالجبال الشاهقة، جمع عَلَم، وهو الجبل الطويل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : اختص مظهَر الإنسان عن سائر المظاهر باعتدال خلقته، لطافةً وكثافةً، معنىً وحسّاً، روحانيّاً وبشريةٌ، فلذلك فاقت معرفته إذا عرف سائر المخلوقات، بخلاف الجن والملائكة، اللطافةُ غالبة عليهم، فمَن كان منهم عارفاً لا تجده إلا متحرفاً، غالباً عليه الهيمان والسُكْر، وأمّا الآدمي فمَن غلبت رَوحانيتُه على صلصاليته، ومعناه على حسه، كان كالملائكة أو أفضل، ومَن غلبت طينتُه على روحانيته، وحسُّه على معناه، كان كالبهائم أو أضل.
وقوله تعالى : رَبُّ المشرقين وربُّ المغربين أي : رب مشرق شمس العرفان وقمر الإيمان، ومغربهما عند غين الأنوار والأغيار. وقال القشيري : يُشير مشرق الروح والقلب، ومغرب النفس والهوى. هـ. فإذا أشرق نور الروح والقلب غابت ظلمة النفس والهوى، وإذا استولت ظلمة النفس والهوى على الروح والقلب غربت شمسهما، فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان مع ما في ذلك في اللطائف الغامضة، والغوامض الخفية، من عدم سكون الروح والقلب إلى التجلِّي الجمالي، وعدم اضطراب النفس والهوى بالتجلِّي القهري الجلالي ؛ لأنَّ الكامل من هذه الطائفة هو الذي يُشاهد الجمالَ في الجلال، والجلالَ في الجمال، فلا يسكن إلى شيء، ولا يقف مع شيء.
وقوله تعالى : مَرَجَ البحرين يلتقيان يُشير إلى بحر علم الشريعة، وبحر علم الحقيقة، يلتقيان في الإنسان الكامل، بينهما برزخ وهو العقل، فإنه يحجز الشريعةَ أن تعدو محلها، والحقيقة أن تُجاوز محلها، فالشريعة محلها الظواهر، والحقيقة محلها البواطن، والعقل برزخ بينهما، يقوم بحُكم كل واحدة منهما، فمَن خفَّ عقله غلبت إحداهما عليه، إمّا الشريعة، فيكون يابساً جامداً لا يخلو من فسوق، وإمّا الحقيقة، فيكون إما سكراناً أو زنديقاً. فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان ؟ حيث هَدى العبدَ إلى القيام بحقهما، وإنزال كل واحدة في محلها، يَخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فيخرج من بحر الحقيقة جواهرَ الحِكم ويواقيت العلوم، ومن بحر الشريعة مَرجان تحرير النقول، وتحقيق مبانيها، والإتيان بها من معادنها، فبأي آلاء ربكما تُكذَّبان حيث وفَّق غوّاص بحر الحقيقة إلى استخراج أسرارها، وغوّاص بحر الشريعة إلى إظهار أنوارها. وله الجوارِ ، أي : سفن الأفكار الجارية في قلزوم بحر الذات وتيار الصفات، المنشئات في بحر الذات، مع رسوخ عقلها، كالجبل الراسي، فتعوم سفنُ أفكار العارفين في بحر الجبروت وأنوار الملكوت، ثم ترسي في مرساة العبودية، للقيام بآداب الربوبية، فبأي آلاء ربكما تُكَذِّبان مع عظيم هذا اللطف الكبير، والمنَّة الكريمة، حيث يتلاطم عليهم أموَاجُ بحر الذات، فيكونوا من المغرقين في الزندقة، أو ذهاب العقل بالكلية، لكن مَنْ صَحبَ رئيسا عارفاً لا يخاف من الغرق إن شاء الله.
كلُّ مَن عليها فانٍ كل مَنْ على بساط المملكة فَانٍ متلاشٍ، ويبقى وجه ربك أي : ذاته المقدسة، فلا موجود معها على الحقيقة، كما قال الشاعر :

فَالْكُلُّ دُونَ اللَّه إِنْ حَقَّقْتَه عَدمٌ عَلَى التَّفْصِيل والإجمال
وهذا معلوم عند أرباب الأذواق، مُقرر عند أهل الفناء والبقاء، فلا يجحده إلاَّ جهول، كما قال تعالى : فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان ؟.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير