قوله :«المُنشآتُ ».
قرأ حمزة١، وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشِّين، بمعنى أنها تنشىء الموج بجريها، أو تنشىء السير إقْبَالاً وإدباراً، أو التي رفعت شراعها، والشِّراع : القلاع.
وعن مجاهد : كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت، وإلا فليست منها ونسبة الرَّفع إليها مجاز٢، كما يقال : أنشأت السَّحابة المطر.
والباقون : بالفتح، وهو اسم مفعول، أي أنشأها الله، أو الناس، أو رفعوا شراعها٣.
وقرأ ابن أبي عبلة٤ :«المُنَشَّآت » بتشديد الشين مبالغة.
والحسن :«المُنشَّأة » بالإفراد وإبدال الهمزة ألفاً وتاء محذوفة خطاً، فأفرد الصفة ثقة بإفهام الموصوف الجمعية، كقوله : وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ [ آل عمران : ١٥ ].
وأما إبداله الهمزة ألفاً وإن كان قياسها بين بين، فمبالغة في التخفيف.
كقوله :[ البسيط ]
إنَّ السِّباعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ٥
أي :«لتهدأ » وأما كتابتها بإلقاء المحذوفة، فاتباعاً للفظها في الوصل.
و«في البَحْر » متعلق ب «المنشآت » أو «المنشأة »، ورسمه بالتاء بعد الشين في مصاحف «العراق » يقوي قرءاة الكسر، ورسمه بدونها يقوي قراءة الفتح، وحذفوا الألف كما تحذف في سائر جمع المؤنث السالم.
و«كالأعلام » حال، إما من الضمير المستكنّ في «المنشآت »، وإما من «الجواري » وكلاهما بمعنى واحد٦.
فصل في المراد بالجواري٧
«الجَوَارِي » جمع جارية. وهي اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر ؛ لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك، فيقولون :«لك الفُلْك، ولك المُلْك ».
وإذا خافوا الغرقَ دعوا الله خاصة، وسميت السفينة جارية ؛ لأن شأنها ذلك وإن كانت واقفةً في السَّاحل كما سماها في موضع آخر ب «الجارية »، فقال تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية [ الحاقة : ١١ ].
وسماها بالفلك قبل أن تكون كذلك، فقال لنوح عليه الصلاة والسلام : واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا [ هود : ٣٧ ] ثم بعد ما عملها سمَّاها سفينة، فقال : فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة [ العنكبوت : ١٥ ].
واعلم أن المرأة المملوكة تسمى أيضاً جارية ؛ لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها، بخلاف الزَّوجة، فهو من الصفات الغالبة.
و«السفينة » :«فعيلة » بمعنى «فاعلة » عند ابن دريد، أي : تسفن الماء و«فَعِيلَة » بمعنى «مفعولة » عند غيره بمعنى منحوتة، قال ابن الخطيب٨ : فالفُلك أولاً، ثم السفينة، ثم الجارية.
والأعلام : الجبال، والعلم : الطويل، قال :[ الرجز ]
إذَا قطعْنَ علماً بَدَا عَلَمْ٩ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقالت الخنساء في صخر :[ البسيط ]
وإنَّ صَخْراً لتَأتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ *** كَأنَّهُ علمٌ فِي رَأسِهِ نَارُ١٠
أي «جبل »، فالسفن في البحر كالجبال في البر.
وجمع «الجواري » ووحد «البحر »، وجمع «الأعلام » إشارة إلى عظمةِ البحر.
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩٦) وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد..
٣ ينظر: البحر المحيط ٨/١٩١، والدر المصون ٦/٢٤١..
٤ ينظر: السابق..
٥ صدر بيت لإبراهيم بن هرمة وعجزه:
..................... *** والناس ليس بهاد شرهم أبدا
ينظر الخصائص ٣/١٥٢، والضرائر لابن عصفور ٢٢٩، واللسان هدأ. وديوان ابن هرمة ص ٩٦.
والدر المصون ٦/٢٤١..
٦ ينظر: الدر المصون ٦/٢٤١..
٧ ينظر: تفسير الرازي ٢٩/٩١..
٨ ينظر السابق..
٩ صدر بيت لجرير بن عطية وعجزه:
................... *** فهن بحثا كمضلات الخدم
ينظر مجاز القرآن ٢/٢٤٤، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٥/١٠١، وشرح ديوان جرير ص ٦٢٢، والطبراني ٢٧/٧٨، والقرطبي ١٧/١٠٧، واللسان (علم)..
١٠ تقدم..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود