قوله تعالى : سَنَفْرُغُ .
قرأ١ :«سيفرغ » - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة : بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز ».
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج٢، ويحتمل وجهين٣ :
أحدهما : أن يكون من «فَرَغَ » بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني : أنه سمع فيه «فَرِغَ » - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم » وقرأ عيسى٤ بن عمر وأبو السمال :«سَنِفْرَغُ » - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة ».
قال أبو حاتم : هذه لغة سفلى «مضر ».
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم :«سَيُفْرَغُ » - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي٥ :«يقال : فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي : بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى : سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك٦، كقول القائل لمن يريد تهديده : إذن أتفرغ لك، أي : أقصد قصدك ».
وأنشد ابن الأنباري لجرير :[ الوافر ]
ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ *** فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا٧
وأنشد الزجاج والنحاس :[ الطويل ]
فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ٨ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويدل٩ عليه قراءة أبيِّ رضي الله عنه :«سَنفْرُغُ إليْكُمْ » أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم «أنه لما بايع الأنصار ليلة «العقبةِ »، صاح الشيطان : يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني «قيلة » على حربكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك »١٠. أي : أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير : الأزَبُّ في اللغة : الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة » وهو الحيّة.
وقيل : إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أي : مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى : أَيُّهَ الثقلان . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا » في «النور » [ النور : ٣١ ] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة ؛ لأن المبهم يضاف.
و«الثَّقلان » الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل : سمّوا بذلك ؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى : وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا [ الزلزلة : ٢ ].
ومنه قولهم : أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني : كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام : ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق : سميا ثقلين ؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل : الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل : العظيم الشريف.
قال عليه الصلاة والسلام :«إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ : كتاب اللَّهِ وعترتِي »١١.
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى : سَنَفْرُغُ لَكُمْ ثم قال : أَيُّهَ الثقلان ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى : يا معشر الجن والإنس إِنِ استطعتم ، ولم يقل «إن استطعتما » ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى : فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ [ النمل : ٤٥ ].
وقوله تعالى : هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ [ الحج : ١٩ ]، ولو قال : سنفرغ لكما، أو قال : استطعتما، لجاز.
وقرأ١٢ أهل «الشَّام » :«أيُّهُ الثَّقلانِ » بضم الهاء، والباقون : بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف »١٣، و قُلْ أُوحِيَ [ الجن : ١ ] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا [ الرحمان : ٣٣ ] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال : فلم أخر عذابهم ؟.
فأجيب١٤ : بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و«المعشر » : الجماعة العظيمة ؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول : أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل : ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى : قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن [ الإسراء : ٨٨ ] ؟.
فالجواب١٥ : أن النفوذ من أقطار السماوات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية : إن استطعتم أن تنفذوا : تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ : الخروج وقد تقدم في أول «البقرة » أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى : يا معشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى : حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت [ النساء : ٧٨ ] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال : يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني : إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السماوات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم١٦، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عز وجل١٧ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم١٨ وقال قتادة : لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك١٩ وقيل : الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه : لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه : لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى : إِلاَّ بِسُلْطَانٍ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان : القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد : حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
٢ وقرأ بها قتادة، ورويت عن عاصم كما في المحرر الوجيز ٥/٢٣٠، والبحر المحيط ٨/١٩٢، والدر المصون ٦/٢٤٢..
٣ ينظر: الدر المصون ٦/٢٤٢..
٤ الذي نقله ابن عطية (٥/٢٣٠) عن عيسى بن عمر أنه قرأ بفتح النون وكسر الراء، والثابت هنا هو ما ذكره أبو حيان ٨/١٩٢، والسمين الحلبي ٦/٢٤٢، فيكون هناك روايتان عن عيسى أثبتهما أبو حيان والسمين الحلبي، في حين أهمل بن عطية إحداهما، وهي التي معنا..
٥ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١١٠..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٩٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩٨) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الأسماء والصفات"..
٧ تقدم..
٨ عجز بيت لجرير بن عطية وصدره:
ولما اتقى القين العراقي باسته ***.......................
ورواية الديوان: إلى العين مكان إلى العبد.
ينظر: شرح ديوان جرير ص ٥٥، والكامل للمبرد ١/٢٤، والاقتضاب ص ٣٠١، واللسان (فرغ)، والقرطبي ١٧/١١٠، والدر المصون ٦/٢٤٢..
٩ ينظر: الكشاف ٤/٤٤٨، والدر المصون ٦/٢٤٢، القرطبي ١٧/١١٠..
١٠ أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/٤٤٨). وذكره البيهقي في "مجمع الزوائد" (٦/٤٨) وقال: رواه أحمد والطبراني بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع..
١١ أخرجه مسلم (٤/١٨٧٤) عن زيد بن أرقم وأخرجه الحاكم (٣/١٤٨) من حديثه أيضا وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وأخرجه أحمد (٣/١٧) والطبراني في "الصغير" (١/١٣١) وفي "الكبير" (٥/١٩٠، ٢٠٥) والعقيلي (٢٢/٢٥٠) من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد..
١٢ ينظر: الحجة ٦/٢٤٩، والعنوان ١٣٨، ١٨٤، وإعراب القراءات ٢/٣٣٧، وإتحاف ٢/٥١١، والقرطبي ١٧/١١١..
١٣ ينظر: القرطبي ١٧/١١١..
١٤ ينظر: الرازي ٢٩/٩٩..
١٥ ينظر: السابق ٢٩/١٠٠..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٩٤) عن الضحاك بمعناه..
١٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٩٤) وذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٧١)..
١٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٩٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩٨) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات..
١٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٩٥) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩٨) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود