ﮗﮘﮙﮚ

سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان هذا وعيد شديد من الله سبحانه للجنّ والإنس. قال الزجاج والكسائي وابن الأعرابي وأبو علي الفارسي : إن الفراغ هاهنا ليس هو الفراغ من شغل، ولكن تأويله القصد : أي سنقصد لحسابكم.
قال الواحدي حاكياً عن المفسرين : إن هذا تهديد منه سبحانه لعباده، ومن هذا قول القائل لمن يريد تهديده : إذن أتفرغ لك : أي أقصد قصدك، وفرغ يجيء بمعنى قصد، وأنشد ابن الأنباري قول الشاعر :
الآن وَقَدْ فَرَغْتُ إلى نُميَرٍ *** فهذا حينَ كُنْتُ له عَذَاباً
يريد : وقد قصدت، وأنشد النحاس قول الشاعر :
فرغت إلى العبد المقيد في الحجل ***. . .
أي قصدت، وقيل : إن الله سبحانه وعد على التقوى وأوعد على المعصية، ثم قال : سنفرغ لكم مما وعدناكم ونوصل كلاً إلى ما وعدناه، وبه قال الحسن ومقاتل وابن زيد، ويكون الكلام على طريق التمثيل. قرأ الجمهور : سَنَفْرُغُ بالنون وضمّ الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالتحتية مفتوحة مع ضم الرّاء : أي سيفرغ الله. وقرأ الأعرج بالنون مع فتح الراء. قال الكسائي : هي لغة تميم، وقرأ عيسى الثقفي بكسر النون وفتح الراء، وقرأ الأعمش وإبراهيم بضمّ الياء وفتح الراء على البناء للمفعول، وسمي الجنّ والإنس ثقلين لعظم شأنهما بالنسبة إلى غيرهما من حيوانات الأرض، وقيل : سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياءً وأمواتاً كما في قوله : وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا [ الزلزلة : ٢ ] وقال جعفر الصادق : سميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب، وجمع في قوله : لَكُمْ ثم قال : أَيُّهَ الثقلان ، لأنهما فريقان، وكل فريق جمع. قرأ الجمهور : أيه الثقلان بفتح الهاء، وقرأ أهل الشام بضمها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : ذُو الجلال والإكرام قال : ذو الكبرياء والعظمة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه يَسْأَلُهُ مَن فِي السموات قال : مسألة عباده إياه الرزق والموت والحياة كل يوم هو في ذلك. وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده، والبزار وابن جرير والطبراني وأبو الشيخ في العظمة، وابن منده وابن مردويه وأبو نعيم وابن عساكر عن عبد الله بن منيب قال :«تلا علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فقلنا : يا رسول الله، وما ذلك الشأن ؟ قال :«أن يغفر ذنباً ويفرّج كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين» وأخرج البخاري في تاريخه، وابن ماجه وابن أبي عاصم والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه وابن عساكر والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الآية قال :«من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً، ويضع آخرين»، زاد البزار :«ويجيب داعياً» وقد رواه البخاري تعليقاً، وجعله من كلام أبي الدرداء. وأخرج البزار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال :«يغفر ذنبا ويفرج كربا». وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان قال : هذا وعيد من الله لعباده، وليس بالله شغل، وفي قوله : لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بسلطان يقول : لا تخرجون من سلطاني. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نَّارٍ قال : لهب النار وَنُحَاسٌ قال : دخان النار. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً ونحاس : قال الصفر يعذبون به. وأخرج ابن أبي حاتم عنه فَكَانَتْ وَرْدَةً يقول : حمراء كالدهان قال : هو الأديم الأحمر. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدِّهَان قال : مثل لون الفرس الورد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ قال : لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا ؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لهم : لم عملتم كذا وكذا ؟ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عنه أيضاً في قوله : فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي والأقدام قال : تأخذ الزبانية بناصيته وقدميه، ويجمع فيكسر كما يكسر الحطب في التنور. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ قال : هو الذي انتهى حرّه.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية