ﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

قوله تعالى : فَإِذَا انشقت السماء جوابه مقدر، أي : رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله :«فَكَانَت ورْدَةً » أي : مثل وردة.
فقيل : هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر :[ الطويل ]

فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا١
وقيل : هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل٢.
وقرأ عمرو بن عبيد٣ :«وَرْدَةٌ » بالرفع.
قال الزمخشري٤ : فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد ؛ كقوله :[ الكامل ]
فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ٥
قوله :«كالدِّهان » يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة »، وأن يكون حالاً من اسم «كانت ».
وفي «الدِّهَان » قولان :
أنه جمع «دُهْن » نحو : قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى : تَكُونُ السماء كالمهل [ المعارج : ٨ ] وهو : دردي الزيت.
والثاني : أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري :«اسم ما يدهن به كالحزام والإدام » ؛ وأنشد :[ الطويل ]
كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ٦
وقال غيره : هو الأديم الأحمر ؛ وأنشد للأعشى :[ الوافر ]
وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا٧
أي : أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد :[ الطويل ]
تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ٨
فقوله :«الحمر » يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال : هو كقولهم : أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل : شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل : لبريقها.

فصل في معنى الآية


قال المفسرون : قوله تعالى : فَإِذَا انشقت السماء انصدعت يوم القيامة، فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما :«الدهان » : الدهن٩، والمعنى : صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة : المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن١٠، أي : تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل : الدهان : الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي : تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس : المعنى : فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء : أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة ؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن :«كالدِّهان » أي : كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم : المعنى : أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل : المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج : أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً : يطلق على الأسد.
وقال قتادة : إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر١١. حكاه الثعلبي.
قال المارودي : وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء ؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
١ قائل البيت هو سُحَيم عبد بني الحسحاس، وقيل: نصيب ينظر: سر صناعة الإعراب ١/٢٠٣، والممتع لابن عصفور ص ٤١٠، واللسان (عشق)، والتاج ٧/١٢ (عشق) وديوان سحيم ص ٢٦ والبحر ٨/١٩٣ والدر المصون ٦/٢٤٤..
٢ ينظر: البحر المحيط ٨/١٩٣، ١٩٤، والدر المصون ٦/٢٤٤ والقرطبي ١٧/١١٣..
٣ ينظر: الكشاف ٤/٤٥٠، والبحر المحيط ٨/١٩٤، والدر المصون ٦/٢٤٤..
٤ ينظر: الكشاف ٤/٤٥٠..
٥ البيت لقتادة بن سلمة الحنفي.
ينظر شرح ديوان الحماسة للتبريزي ١/٢٢، ومعاهد التنصيص ١/٢٥٣، والكشاف ٤/٤٨، وشرح شواهده ص ٥٤٢، والبحر المحيط ٨/١٩٤، والدر المصون ٦/٢٤٤..

٦ البيت لامرئ القيس ينظر ديوانه (١٦٧) واللسان (عجل)، والتاج ٧/٨ (عجل)، والكشاف ٤/٤٨ وشرح شواهده ص ٥٥٩، والبحر المحيط ٨/١٩٤ والدر المصون ٦/٢٤٤..
٧ رواية الديوان:
وأجرد من فحول الخيل طرف ....................
ينظر ديوانه (١٩٧)، وسمط اللآلي ٢/٨٧٥، واللسان (دهن)، والتاج ٩/٢٠٦، (دهن). والبحر ٨/١٩٤ والدر المصون ٦/٢٤٤..

٨ ينظر البحر ٨/١٨٤، والدر المصون ٦/٢٤٤..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٩٩) عن مجاهد والضحاك وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩٩) عن مجاهد وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
وذكره أيضا عن الضحاك وزاد نسبته إلى ابن المنذر..

١٠ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٧٢)..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٩٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩٩) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن المنذر وعبد بن حميد..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية