ﭳﭴ

وأيضاً قال : ذَوَاتَا أَفْنَانٍ .
وقال عطاء وابن شوذب : نزلت هذه الآية في أبي بكر - رضي الله عنه - حين ذكر ذات يوم الجنّة حين أزلفت، والنَّار حين برزت(١).
وقال الضحاك : بل شرب ذات يوم لبناً على ظمأ، فأعجبه فسأل عنه، فأخبر أنه من غير حلٍّ فاستقاءه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فقال :«رحمكَ اللَّهُ لقَدْ أنْزِلَتْ فِيْكَ آيَةٌ »، وتلا عليه هذه الآية(٢).
قوله تعالى :«ذَوَاتَا ». صفة ل «جَنَّتان »، أو خبر مبتدأ محذوف، أي :«هما ذواتا ».
وفي تثنية «ذات » لغتان :
الرد إلى الأصل، فإن أصلها «ذوية »، فالعين واو، واللام ياء ؛ لأنها مؤنثة «ذو ».
الثانية : التثنية على اللفظ. فيقال :«ذواتا ».
و«الأفنان » : فيه وجهان.
أحدهما : أنه جمع «فَنَن » ك «طلل »، وهو الغصن.
قال النابغة الذبياني :[ الوافر ]
بُكَاءُ حَمَامَةٍ تَدْعُو هَدِيلاً *** مُفَجَّعَةٍ على فَنَنٍ تُغَني(٣)
وقال آخر :[ الرمل ]
رُبَّ وَرْقَاءَ هَتُوفٍ بالضُّحَى *** ذَاتِ شَجْوٍ صَدَحَتْ في فَنَنِ(٤)
وقال آخر :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** عَلَى كُلِّ أفْنَانِ العِضَاهِ تَرُوقُ(٥)
و«الفَنَن » : جمعه أفنان ثم الأفانين.
قال الشاعر يصف رحى :[ الرجز ]
لَهَا زِمَامٌ مِنْ أفَانِينِ الشَّجَرْ(٦) ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وشجرة فناء : أي ذات أفنان، وفنواء أيضاً على غير قياس.
وفي الحديث :«أنَّ أهْلَ الجنَّةِ مُردٌ مُكَحَّلُون أولُو أفَانِيْن »(٧).
وهو جمع أفنان، وأفنان : جمع «فَنَن » من الشعر، شبه بالغصن. ذكره الهروي.
وقيل :«ذواتا أفنان » أي : ذواتا سعة وفضل على ما سواهما. قاله قتادة(٨).
وعن مجاهد أيضاً وعكرمة : أن الأفنان ظل الأغصان على الحِيْطان(٩).
وقال مجاهد : الفنن : هو الغصن المستقيم طولاً.
الوجه الثاني : أنه جمع «فنّ » ك «دنّ »، وإليه أشار ابن عبَّاس.
والمعنى : ذواتا أنواع وأشكال ؛ وأنشدوا :[ الطويل ]
ومِنْ كُلِّ أفْنَانِ اللذَاذَةِ والصِّبَا *** لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخضرُ نَاضِرُ(١٠)
قال سعيد بن جبير والضحاك : ألوان من الفاكهة(١١)، واحدها :«فنّ »، من قولهم :«افتنّ فلان في حديثه » إذا أخذ في فنون منه وضروب، إلا أن الكثير في «فنّ » أن يجمع على «فنون »، وجمع عطاء بين القولين فقال : في كل غصن فنون من الفاكهة.

١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٠١) عزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن شوذب..
٢ ذكره الماوردي في "تفسيره" في (٥/٤٣٧) عن الضحاك..
٣ ينظر ديوانه (١٣٦)، والقرطبي ١٧/١١٦، والبحر ٨/١٨٥، والدر المصون ٦/٢٤٦..
٤ ينظر الدر المصون ٦/٢٤٦..
٥ تقدم..
٦ ينظر: اللسان (فتن)، والتاج (فتن)، والقرطبي ١٧/١١٦..
٧ يشهد له حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين بني ثلاث وثلاثين". أخرجه الترمذي رقم (٢٥٤٥) وفي مسنده شهر بن حوشب وفيه ضعف. وله شاهد أيضا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين".
أخرجه الترمذي (٢٥٤٠). وذكره البغوي في "تفسيره" ٤/٢٧٤..

٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٠٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٠٤) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد..
٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٠٤) عن عكرمة وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي بكر بن حبان في "الفنون" وابن الأنباري في "الوقف والابتداء"..
١٠ ينظر: الكشاف ٤/٤٩، وشرح شواهده ص ٤٢٣، والبحر ٨/١٨٥..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٠٤) عن الضحاك وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(٤/٢٠٣)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية