قوله تعالى : والسماء رَفَعَهَا .
العامة١ : على النصب على الاشتغال مراعاة لعجز الجملة التي يسميها النحاة ذات وجهين، وفيها دليل لسيبويه الذي يجوز النصب، وإن لم يكن في جملة الاشتغال ضمير عائد على المبتدأ الذي تضمنته الجملة ذات الوجهين.
والأخفش٢ يقول : لا بد من ضمير، مثاله :«هند قامت وعمراً أكرمته لأجلها ».
قال :«لأنك راعيْتَ الخبر وعطفت عليه، والمعطوف على الخبر خبر، فيشترط فيه ما يشترط فيه ».
ولم يشترط الجمهور ذلك، وهذا دليلهم.
فإن القراء كلهم نصبوا مع عدم الرابط إلا من شذ منهم وقد تقدم تحرير هذا في سورة «يس » عند قوله : والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ [ يس : ٣٩ ].
وقرأ أبو٣ السمال : برفع السماء على الابتداء، والعطف على الجملة الابتدائية التي هي قوله «والشمس والقمر ».
قال القرطبي٤ :«فجعل المعطوف مركباً من ابتداء وخبر كالمعطوف عليه ».
قوله :«ووَضَع المِيزانَ ».
العامة٥ على «وَضَع » فعلاً ماضياً، و«الميزان » نصب على المفعول به.
وقرأ إبراهيم٦ :«ووضْع الميزانِ » - بسكون الضاد - وخفص «الميزان » وتخريجها : على أنه معطوف على مفعول «رفعها » أي :«ورفع ووضْع الميزان » أي جعل له مكانة ورفعة لأخذ الحُقُوق به، وهو من بديع اللفظ حيث يصير التقدير :«ورفع ووضع الميزان ».
قال الزمخشري٧ :«فإن قيل : كيف أخلّ بالعاطف في الجمل الأول وجيء به بعده ؟.
قلت : بَكَّتَ بالجمل : الأول، وأورده على سننِ التعديد للذين أنكروا الرحمان وآلاءه كما تبكت منكر أيادي المنعم من الناس بتعدّدها عليه في المثال الذي قدمته، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التَّبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف.
فإن قلت : أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف ؟.
قلت : إن الشمس والقمر سماويَّان، والنجم والشجر أرضيَّان فبينهما تناسب من حيث التقابل، وإن السماء والأرض لا يزالان يذكران قرينتين، وإن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر »٨.
فصل في المراد بوضع الميزان
قال مجاهد وقتادة : وضع الميزان عبارة عن العدل٩.
قال السدي :«ووضع الميزان » وضع في الأرض العدل الذي أمر به١٠، يقال : وضع الله الشريعة، ووضع فلان كذا أي ألقاه.
وقيل : على هذا الميزان القرآن، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه.
وهو من قول الحسين بن الفضل.
وقال الحسن وقتادة١١ - أيضاً - والضحاك : هو الميزان الذي يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض١٢، وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى : وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط [ الرحمان : ٩ ].
والقسْط هو العَدْل، وقيل : هو الحكم.
وقيل : المراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال. وأصل «ميزان » «يوزان ». وقد مضى القول فيه في «الأعراف ».
قال ابن الخطيب١٣ : قوله :«ووَضَعَ المِيزانَ » إشارة إلى العدل، كقوله : وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان [ الحديد : ٢٥ ] أي : ليعلموا بالكتاب، ويعملوا بالميزان، فكذا هنا «عَلَّمَ القُرآن » ووضع الميزانَ، فالمراد ب «الميزان » : العدل بوضعه شرعة، كأنه قيل : شرع العدل لئلا تطغوا في الميزان الذي هو آلة العَدْل، هذا هو المنقول، قال : والأولى العكس كالأول وهو الآلة، والثاني : بمعنى الوزن، أو بمعنى العدل.
٢ ينظر: الدر المصون ٦/٢٣٦..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٢٤، والبحر المحيط ٨/١٨٨، والقرطبي ١٧/١٠١..
٤ ينظر: القرطبي ١٧/١٠١.
٥ ينظر: الدر المصون ٦/٢٣٦..
٦ ينظر: البحر المحيط ٨/١٨٨، والدر المصون ٦/٢٣٦..
٧ ينظر: الكشاف ٤/٤٤٣، والدر المصون ٦/٢٣٦..
٨ ينظر: الكشاف ٤/٤٤٤..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٧٦) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩١) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وينظر تفسير الماوردي (٥/٤٢٤)..
١٠ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/٤٢٤)..
١١ ينظر: القرطبي ١٧/١٠١..
١٢ ينظر المصدر السابق وتفسير البغوي (٤/٢٦٧)..
١٣ ينظر: تفسير الرازي ٢٩/٨٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود