ثم قال تعالى : والسماءَ رفَعها أي : خَلَقها مسموكةً مرفوعةً، حيث جعلها منشأ أحكامه، ومسكن ملائكته الذي يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبّه بذلك على كبرياء شأنه، ومُلكه وسلطانه، وَوَضَعَ الميزانَ أي : كل ما يُوزن به الأشياء ويعرف مقاديرها، من ميزان، وقَرَسْطون، ومكيال، ومعيار، والقرسطون - بفتحتين : العدلة التي توزن بها الفضة، أي : خَلَقه موضعاً على الأرض من حيث علّق به أحكام العباد على التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم. وقيل : معنى الميزان، العدل، أي : شرع العدل وأمر به حتى يوفّى كل ذي حق حقه، حتى انتظم أمر العالم واستقام، كما قال صلى الله عليه وسلم :" بالعدل قامت السماوات والأرض "، والعدل : ما حكمت به الشريعةُ المحمدية، من كتاب، وسُنة، وإجماع، وقياس.
وأما الرحمة الصفاتية، وهي التي يقع بها الإمداد، فتتنوع بتنوُّع الأسماء الحسنى، وهي تسعة وتسعون. أمّا الأسماء الجمالية فالرحمة فيها ظاهرة، وأمّا الأسماء الجلالية فالرحمة فيها : عدم انفكاك لطف الله عن قدره، والرحمة الذاتية هي المُوفية مائة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :" إنّ اللّهَ تعالى خَلَقَ مائةَ رحمة، أَمسك عنده تسعةً وتسعين، وأنزل واحدةً إلى الدنيا، بها يتراحم الخلقُ " ١ الحديث، أو كما قال عليه السلام. ولمَّا كان القرآن من أجلّ النِعَم عبّر عن تعليمه بالرحمانية، التي هي من الصفات الخاصة ؛ لأنّ القرآن مُظهر لأوصاف الذات وأسرارها وأفعالها، وكاشف لحقائقها، عند مَن فُتحت بصيرته.
وقوله تعالى : خَلَقَ الإِنسانَ أي : أظهره من سر اللطافة إلى مظهر الكثافة جاهلاً به من جهة الجسمانية، ثم علَّمه البيان أي : بيان السير إلى معرفته، بأن ركّب فيه العقل المميز، ونَصَبَ له مظاهر يتعرّف بها، وبعث له دالاًّ يدله، ويُعلمه أسرار الربوبية وآداب العبودية، فلا يزال يُحاذيه، ويسير به حتى يستنير قمر توحيده، وتُشرق شمس عرفانه، وإليه الإشارة بقوله : الشمس والقمر بُحسبان أي : يجريان بحسب معلوم، في زيادة نور التوحيد ونقصانه، على حسب استعداد العبد وتوجهه.
قال القشيري بعد كلام : وكذلك شموس المعارف، وأقمار العلوم - في طلوعها في أوْج القلوبِ والأسرار - في حكم الله تعالى وتقديره حسابٌ معلومٌ، يُجْريهما على ما سبق به الحُكْمُ. هـ. والنجم والشجر يسجدان، أي : ونجم نور العقل الطبيعي، وشجر الفكر الاعتباري يخضعان ويضمحلان عند سطوع شمس نهار العرفان، وأمَا نور العقل الوهبي، والفكر الاستبصاري، فيطويان الكونَ طيّاً ؛ لأنَّ نورهما مستمد من العقل الأكبر، وهو أول الفيض الإلهي، المتدفق من بحر الجبروت، وسماء الأرواح، رَفَعَا عن لوث عالم الأشباح، وهو محل شهود أسرار الذات وأنوار الصفات، وتجليات الأنبياء والرسل، فمَن ترقّى إليه لا تغيب عنه أرواح الأنبياء وذواتهم، فالمتجلي واحد. ووضع الميزان على النفوس الظلمانية، ألاَّ تَطْغَوا في الميزان، بتعديّ حدود الرياضة والمجاهدة، وأقيموا عليها الوزن بالقسط، ولا تُخسروا الميزان بإهمالها في هواها وحظوظها. والأرض، أي : أرض البشرية وضعها لقيام وظائف العبودية، التي رتّبها للأنام، فيها فاكهة العلوم الوهبية إن صفت، ونَخْل علوم الشريعة ذات الأكمام، وهي البراهين التي تستخرج بها مسائلها، فمَن وقف مع قشر الأكمام كان مقلِّداً. ومَن نفذ إلى لُبها كان مجتهداً نِحريراً.
وقال القشيري : والنخلُ ذات الأكمام من فواكه الوحدانيات المستورة عن الأغيار، المستورة عن غير أهلها. ثم قال : والحب ذو العصف من حبة المحبة الذاتية، غير القابلة للتغيُّر والاستبدال، المشتملة على الأرزاق المكتنفة بالمعارف والحقائق والحِكِم. هـ. والريحان هو قوت الأرواح من اليقين، أو نسيم الأذواق والوجدان، فبأي آلاء ربكما تُكذّبان أيها الثقلان، أو أيها النفس والروح ؛ إذ كل منهما فاز بأمنيته، ووصل إلى نهاية ما اشتهاه، إذا عمل بما تقدّم، وأصغى بأُذن قلبه إلى ما عددناه. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي