الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْأَمَدِ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْآخِرُ بِعَيْنِهِ [ يَعْنِي ] لِأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الْبَاطِنُ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْبَاطِنُ، وَأَنَّ الْآخِرَ هُوَ الظَّاهِرُ ؛ إذْ هُوَ تَعَالَى وَاحِدٌ تَخْتَلِفُ أَوْصَافُهُ، وَتَتَعَدَّدُ أَسْمَاؤُهُ، وَهُوَ تَعَالَى وَاحِدٌ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : لَا يُحَدُّ وَلَا يُشَبَّهُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : مَنْ قَرَأَ " يَدُ اللَّهِ " وَأَشَارَ إلَى يَدِهِ، وَقَرَأَ عَيْنُ اللَّهِ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْعُضْوِ مِنْهُ يُقْطَعُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي تَقْدِيسِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا أَشْبَهَ إلَيْهِ، وَشَبَّهَهُ بِنَفْسِهِ، فَتُعْدَمُ [ نَفْسُهُ وَ ] جَارِحَتُهُ الَّتِي شَبَّهَهَا بِاَللَّهِ، وَهَذِهِ غَايَةٌ فِي التَّوْحِيدِ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهَا مَالِكًا مُوَحِّدٌ.
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :«ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى عَيْنِهِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ».
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ، لَا يُوجِبُ عِلْمًا.
الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْإِشَارَةَ فِي النَّفْيِ لَا فِي الْإِثْبَاتِ، وَفِي التَّقْدِيسِ لَا فِي التَّشْبِيهِ، وَهَذَا نَفِيسٌ فَاعْرِفْهُ.
أحكام القرآن
ابن العربي