للفقراء المهاجرين بدل من لذي القربى وما عطف عليه فإن الرسول لا يسمى فقيرا فقد أخرج الله رسوله من الفقراء لقوله : وينصرون الله ورسوله قيل : بدل الكل من الكل واللام في الفقراء للعهد والمراد منه هم المذكورون أعني ذوي القربى واليتامى والمساكين فلا يلزم أن لا يكون المذكورون سابقا مصرفا نظرا إلى المبدل منه لا يكون مقصودا بالنسبة بل البدل هو المقصود بالنسبة وعندي أن الفقراء المهاجرون وما عطف عليه أعم مطلقا مما سبق فإنهم استوعبوا المؤمنين إلى يوم القيامة أجمعين غنيهم وفقيرهم على ما سنذكر إن شاء الله تعالى فهذا بدل الكل من البعض وهو من قبيل الاشتمال وعلى كلا التقديرين فما سبق في الذكر من ذوي القربى وما عطف عليه وإن لم يكن مقصودا بالنسبة لفظا لكنها ذاخلة في المقصود أعني البدل أو عينه والله أعلم. الذين أخرجوا من ديارهم التي بمكة وأموالهم فإن كفارة مكة أخرجوهم وأخذوا أموالهم وفي الآية دليل على أن كفار مكة ملكوا أموال المهاجرين التي خلفوها وهاجروا عنها لأن الله تعالى أطلق عليهم الفقراء والفقير من لا يملك وليس من لا يملك مالا وهو في مكان لا يصل إليه فقيرا بل هو مخصوص باسم ابن السبيل ولذا عطفوا عليه في نص الصدقة، ومن هاهنا قال أبو حنيفة ومالك الكفار إذا استولت على أموال المسلمين ملكوها بشرط الإحراز بدارهم عند أبي حنيفة وبمجرد الاستيلاء عند مالك وقال الشافعي لا يملكونها وذكر ابن همام لأحمد فيه روايتين كقول أبي حنيفة وكقول الشافعي وذكر ابن الجوزي قول أحمد كقول الشافعي لا غير ويؤيد مذهب أبي حنيفة من الأحاديث ما رواه أبو داود في مراسيله عن تميم ابن طرفة قال وجد مع رجل ناقة فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأقام البينة أنها له وأقام الآخر البينة أنه اشتراها من العدو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت أن تأخذ بالثمن الذي اشتراها به فأنت أحق وإلا فخل عنه ناقته والمرسل عندنا وعند أكثر أهل العلم حجة، وأخرج الطبراني مسندا عن تميم ابن طرفة عن جابر ابن سمرة في سنده ياسين الزيات ضعف وأخرج الدارقطني ثم البيهقي في سننهما عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم قال في ما أحرز العدو فاستنقذه المسلمون منهم إن وجده صاحبه قبل أن يقسم فهو أحق به وإن وجد قد قسم فإن شاء أخذه بالثمن فيه حسن ابن عمارة قال الدارقطني متروك وأخرج الدارقطني عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من وجد ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له وإن وجده بعدما قسم فليس له شيء ) وفيه إسحاق ابن عبد الله ابن فروة ضعيف وفي طريقه الآخر رشيدين ضعيف أيضا أخرجه الطبراني عن ابن عمر مرفوعا :( من أدرك ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له فإن أدركه بعد أن يقسم فهو أحق به بالثمن ) وفيه ياسين ضعيف وبه قال الشافعي واحتجوا أيضا بأن عمر ابن الخطاب قال من أدرك ما أخذ العدو قبل أن يقسم فهو له وما قسم فلا حق له فيه إلا بالقيمة وقال هذا إنما روى عن الشعبي عن عمرو عن رجاء ابن حيوة عن عمر مرسلا وكلاهما لم يدرك عمر وروى الطحاوي بسنده إلى قبيصة ابن ذؤيب أن عمر ابن الخطاب قال فيما أخذه المشركون فأصابه المسلمون فعرفه صاحبه أي أدرك قبل أن يقسم فهو له وإن جرت فيه السهام فلا شيء له وروى فيه أيضا عن أبي عبيدة مثل ذلك وروى بإسناده إلى سليمان ابن يسار عن زيد ابن ثابت مثله، وروى أيضا بإسناده إلى قتادة عن جلاس أن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال من اشترى ما أحرز العدو فهو جائز وهذه الأحاديث وإن كانت بعضها ضعيفة وبعضها مرسلة لكنها اعتضد بعضها ببعض وصارت حجة وعملا بهذه الأحاديث شرط أبو حنيفة الإحراز وقال إن ظهر عليها المسلمون فوجدها المالكون قبل أن يقسم فهي لهم بغير شيء وإن وجدوها بعد القسمة أخذوها بالقيمة إن أحبوا وكذا إن دخل دار الحرب تاجر فاشترى ذلك فأخرجه إلى دار الإسلام فمالكه الأول بالخيار إن شاء أخذه بالثمن الذي اشتراه وإن شاء تركه وكذا لو وهبوا لمسلم يأخذه المالك بقيمته واستدل بعض الحنيفة بما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم لما سئل يوم الفتح أين تنزل غدا بمكة قال هل ترك لنا عقيل من منزل ؟ وجه الاحتجاج أن عقيلا استولى عليه وهو على كفره وقيل إن الحديث إنما هو دليل على أن المسلم لا يرث الكافر فإن عقيلا استولى على الرياع بإرثه أبا طالب فإنه مات وترك عليا وجعفر مسلمين وعقيلا وطالبا كافرين فورثاه والله تعالى أعلم. احتج الشافعي بحديث رواه أحمد ومسلم في صحيحه عن عمران ابن حصين قال كانت العضباء لرجل من بني عقيل وكانت من سوابق الحاج فأسر الرجل وأخذت العضباء معه فحبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجله ثم إن المشركين أغاروا على سرج المدينة وفيه العضباء وأسروا امرأة من المسلمين وكانوا إذا نزلوا يريحون إبلهم في أفنيتهم فما كانت ذات ليلة قامت المرأة وقد نوموا فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغا حتى أتت على العضباء فأتت على ناقة ذلول فر كبتها ثم توجهت قبل المدينة ونذرت لئن الله عز وجل نجاها عليها لتخرنها فلما قدمت عرفت الناقة فأتوا بها النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرت المرأة نذرها فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم تبسما خبرتها أو وفيتها إن الله أنجاها عليها لتنحرنيها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم ).
وجه الاحتجاج أنه لو ملكها المشركون ما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بطل نذرها وحديث رواه داود عن ابن عمر قال ذهب فرس له فأخذه الكفار فظهر عليهم المسلمون فرد عليه في زمن رسول لله صلى الله عليه وسلم وأبق عبد له فلحق بالروم فظهر عليهم المسلمون فرد عليه خالد ابن وليد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والجواب عن الحديث الأول أن ظاهر هذا الحديث يدل على أن الكفار لم يحرزوا العضباء بديارهم حيث قال وكانوا إذا نزلوا يريحون أهلهم في أفنيتهم وعن الحديث الثاني أنا نقول على حسب مقتضى هذا الحديث حيث نقول أن المشركين إذا غلبوا على أموالنا وملكوها فظهر عليهم المسلمون ووجدها ملاكها قبل القسمة ردت تلك الأموال عليها بلا شيء وبعد القسمة ردت بالقيمة وإن عبدا إذا أبق فدخل إليهم فأخذوه لم يملكوها عند أبي حنيفة ثم إذا ظهر عليهم المسلمون يأخذ المالك القديم بغير شيء موهوبا كان أو مشتري مغنوما قبل القسمة وبعده والله تعالى أعلم، يبتغون فضلا من الله يعني ثوبا زائدا على قدر أعمالهم أضعافا كثيرة ورضوانا جملة يبتغون حال مقيدة لإخراجهم بما يوجب تفخيم شأنهم وينصرون الله يعني دينه عطف على يبتغون ورسوله أولئك هم الصادقون في ادعاء إيمانهم وحالهم على صدق دعواهم فمن قال من الروافض إنهم كانوا منافين وكانوا كاذبين في ادعاء الإيمان كفر لاستلزام إنكار هذه الآية، وقال قتادة هؤلاء المهاجرين الذين تركوا الديار والأموال والعشائر وخرجوا حبا لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما كانت فيه من شدة حتى ذكر أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه يقيم به صلبه من الجوع وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ماله وثار غيرها، قلت وكانوا يحبون القتل في سبيل الله روى البغوي في المعالم وشرح السنة عن أمية ابن خالد ابن عبد الله ابن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين وروى مسلم عن عبد الله ابن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا )١ وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة ) ٢ قلت لعلهم يدخلون الجنة قبل أغنياء المهاجرين بأربعين خريفا وقبل أغنياء سائر الناس بخمسمائة سنة والله تعالى أعلم.
اختلف الأئمة أن المال الذي يحصل بلا قتال كجزية وعشر تجارة وما جلوا عنه خوفا، وما صولحوا عليه ومال مرتد قتل أو مات ومال ذمي مات بلا وارث وزكاة بني تغلب وما أهداه أهل الحرب إلى الإمام وكذا أخراج الأرض هل يخمس أم لا ؟، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في أظهر قوليه لا يخمس بل جميعه لمصالح لما صلح المسلمين كسد الثغور وبناء القناطير والجسور ويعطي قضاة المسلمين والمحتسبين وعمالهم وعلمائهم منه ما يكفيهم، ويدنو منه أرزاق المقاتلة وذراريهم كذا في الهداية، وفي التجنس يعطي المعلمين والمتعلمين ويدخل فيه طلبة العلم أيضا، وقال الشافعي في القديم لا يخمس إلا ما تركوه فزعا وهربوا وفي الجديد أنه يخمس جميع ذلك ثم يجعل الخمس خمسة أسهم سهم منها لبني هاشم وبني المطلب يشرك فيه الغني والفقير وسهم لابن السبيل ويعم الأصناف الأربعة المذكورة وقيل يخص بالحاصل في كل ناحية من فيها منهم سهم لمصالح المسلمين كسد الثغور والقضاة والعلماء ويقدم الأهم، وأما الأخماس الأربعة فالأظهر أنها للمرتزقة وهم أجناد المرصدون للجهاد فيضع الإمام ديوانا فيعطي كل واحد منهم كفاية ويقدم في الإعطاء قريشا ومنهم بني هاشم والمطلب ثم عبد الشمس ثم نوفل ثم عبد العزى ثم سائر البطون الأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الأنصار ثم سائر العرب ثم العجم ولا يثبت في الديوان أعمى ولا زمنا ولا من لا يصلح للقتال فإن فضلت الأخماس الأربعة عن حاجات المرتزقة وزع عليهم على قدر مؤنتهم والأصلح فإنه يجوز أن يقسم غلته كذلك في المنهاج، ويؤيد مذهب الجمهور في عدم التخميس ما ذكره محمد ابن يوسف الصالحي في سبيل الرشاد في أموال بني النضير أنه قال عمر ابن الخطاب يا رسول الله ألا تخمس ما أصبته ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أجعل شيئا جعله الله تعالى دون المؤمنين بقوله تعالى : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى الآية كهيئته ما وقع فيه السهمان، قال ابن همام ذكروا أن قول الشافعي في تخميس الجزية مخالف للإجماع قال الكرخي ما قال به أحد قبله ولا بعده ولا في عصره ووجه قوله القياس على الغنيمة قال ابن همام إنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ونصارى نجران وفرض الجزية على أهل اليمن ولم ينقل منه التخميس ولو كان لنقل وروى أبو داوود بسند فيه ضعف أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى عماله أن ما حكم عمر ابن الخطاب فرآه المؤمنين عدلا موافقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم.
٢ أخرجه أبو داود في كتاب: العلم باب: في القصص ٣٦٦٢}.
التفسير المظهري
المظهري