للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم
صفحة رقم 504
للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يعني بالمهاجرين من هاجر عن وطنه من المسليمن إلى رسول الله ﷺ في دار هجرته وهي المدينة خوفاً من أذى قومه ورغبة في نصرة نبيّه فهم المقدمون في الإسلام على جميع أهله. يبتغون فضلاً من الله ورضواناً يعني فضلاً من عطاء الله في الدنيا، ورضواناً من ثوابه في الآخرة. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن الفضل الكفاية، والرضوان القناعة. وروى علي بن رباح اللخمي أن عمر بن الخطاب خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقة فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله تعالى جعلني خازناً وقاسماً، إني بادىء بأزواج النبي ﷺ فمعطيهن، ثم بالمهاجرين الأولين أنا وأصحابي أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا. قال قتادة: لأنهم اختاروا الله ورسوله ﷺ على ما كانت من شدة، حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب على بطنه الحجر ليقيم صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها. والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ويكون على التقديم والتأخير ومعناه تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان. الثاني: أن الكلام على ظاهره ومعناه أنهم تبوءوا الدار والإيمان قبل الهجرة إليهم يعني بقبولهم ومواساتهم بأموالهم ومساكنهم. يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا فيه وجهان: أحدهما: غيرة وحسداً على ما قدموا به من تفضيل وتقريب، وهو محتمل. الثاني: يعني حسداً على ما خصوا به من مال الفيء وغيره فلا يحسدونهم عليه، قاله الحسن. ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة يعني يفضلونهم ويقدمونهم
صفحة رقم 505
على أنفسهم ولو كان بهم فاقة وحاجة، ومنه قول الشاعر:
| (أما الربيع إذا تكون خصاصة | عاش السقيم به وأثرى المقتر) |
إنما الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل. الخامس: أنه الإمساك عن النفقة، قاله عطاء. السادس: أنه الظلم، قاله ابن عيينة. السابع: أنه أراد العمل بمعاصي الله، قاله الحسن. الثامن: أنه أراد ترك الفرائض وانتهاك المحارم، قاله الليث. وفي الشح والبخل قولان: أحدهما: أن معناهما واحد. الثاني: أنهما يفترقان وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: أن الشح أخذ المال بغير حق، والبخل أن يمنع من المال المستحق، قاله ابن مسعود. الثاني: أن الشح بما في يدي غيره، والبخل بما في يديه، قاله طاووس. والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا فيهم قولان: أحدهما: أنهم الذين هاجروا بعد ذلك، قاله السدي والكلبي. الثاني: أنهم التابعون الذين جاءوا بعد الصحابة ثم من بعدهم إلى قيام الدنيا هم الذين جاءوا من بعدهم، قاله مقاتل. وروى مصعب بن سعد قال: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان وبقيت الثالثة: فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. وفي قولهم: اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان وجهان: أحدهما: أنهم أمروا أن يستغفروا لمن سبق من هذه الأمة ومن مؤمني أهل الكتاب. قالت عائشة: فأمروا أن يستغفروا لهم فسبّوهم. الثاني: أنهم أمروا أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا الآية. في الغل وجهان: أحدهما: الغش، قاله مقاتل. الثاني: العداوة، قاله الأعمش.
صفحة رقم 507النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود