الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [٢ ٢٨٦]، وَقَوْلِهِ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [٢٤ ٦١]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [٢ ٢٨٦].
وَجَاءَ الْحَدِيثُ فَفَرَّقَ بَيْنَ عُمُومِ النَّهْيِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»، وَقَدْ جَاءَ هَذَا التَّذْيِيلُ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [٥ ٢]، إِيذَانًا بِأَنَّ هَذَا التَّكْلِيفَ لَا هَوَادَةَ فِيهِ، وَأَنَّهُ مُلْزِمٌ لِلْأُمَّةِ سِرًّا وَعَلَنًا، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْهُ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ هَذَا الْإِنْذَارُ الشَّدِيدُ؛ لِأَنَّ مَعْصِيَتَهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ، وَطَاعَتَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَصْفٌ شَامِلٌ لِلْمُهَاجِرِينَ فِي دَوَافِعِ الْهِجْرَةِ، أَنَّهُمْ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، وَغَايَتُهَا، وَهِيَ: وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالْحُكْمُ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ: أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.
وَمَنْطُوقُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْمُهَاجِرِينَ، مَعَ أَنَّهُ جَاءَتْ نُصُوصٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى مُشَارَكَةِ الْأَنْصَارِ لَهُمْ فِيهِ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [٨ ٧٢]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَهَا: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [٨ ٧٤].
فَذَكَرَ الْمُهَاجِرِينَ بِالْجِهَادِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ، وَذَكَرَ مَعَهُمُ الْأَنْصَارَ بِالْإِيوَاءِ وَالنَّصْرِ، وَوَصَفَ الْفَرِيقَيْنِ مَعًا بِوَلَايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَأَثْبَتَ لَهُمْ مَعًا حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، أَيْ: الصَّادِقُونَ فِي إِيمَانِهِمْ، فَاسْتَوَى الْأَنْصَارُ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ فِي عَامِلِ النُّصْرَةِ وَفِي صِدْقِ الْإِيمَانِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
[٥٩ ٩]، وَصْفٌ شَامِلٌ لِلْأَنْصَارِ، (تَبَوَّءُوا الدَّارَ) أَيْ: الْمَدِينَةَ، (وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أَيْ: بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ الْمُهَاجِرِينَ، بَلْ وَمِنْ قَبْلِ إِيمَانِ بَعْضِ الْمُهَاجِرِينَ، (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) وَيَسْتَقْبِلُونَهُ بِصُدُورٍ رَحْبَةٍ، (وَيُؤْثِرُونَ) غَيْرَهُمْ (عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)، لِأَنَّهُمْ هَاجَرُوا إِلَيْهِمْ.
وَظَاهِرُ النُّصُوصِ تَدُلُّ بِمَفْهُومِهَا أَنَّ غَيْرَهُمْ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلَكِنْ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مَا يَدُلُّ لِمُشَارَكَةِ الْمُهَاجِرِينَ الْأَنْصَارَ فِي هَذَا الْوَصْفِ الْكَرِيمِ، وَهُوَ الْإِيثَارُ عَلَى النَّفْسِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ هُوَ بَذْلُ الْمَالِ لِلْغَيْرِ عِنْدَ حَاجَتِهِ مُقَدِّمًا غَيْرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى بِالذَّاتِ سَبَقَ أَنْ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْفُسِهِمِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [٥٩ ٨]، فَكَانَتْ لَهُمْ دِيَارٌ، وَكَانَتْ عِنْدَهُمْ أَمْوَالٌ وَأُخْرِجُوا مِنْهَا كُلِّهَا، فَلَئِنْ كَانَ الْأَنْصَارُ وَاسَوْا إِخْوَانَهُمُ الْمُهَاجِرِينَ بِبَعْضِ أَمْوَالِهِمْ، وَقَاسَمُوهُمْ مُمْتَلَكَاتِهِمْ، فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَنْزِلُوا عَنْ بَعْضِ أَمْوَالِهِمْ فَحَسْبُ، بَلْ تَرَكُوهَا كُلَّهَا: أَمْوَالَهُمْ، وَدِيَارَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ، وَأَهْلَهُمْ، فَصَارُوا فُقَرَاءَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ مَالِهِ وَدِيَارِهِ، وَيَتْرُكُ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ تَضْحِيَةً مِمَّنْ آثَرَ غَيْرَهُ بِبَعْضِ مَالِهِ، وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي أَهْلِهِ وَدِيَارِهِ، فَكَأَنَّ اللَّهَ عَوَّضَهُمْ بِهَذَا الْفَيْءِ عَمَّا فَاتَ عَنْهُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْأَنْصَارِ مَا يُشْعِرُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَخَرَجُوا إِلَيْكُمْ» فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمْوَالُنَا بَيْنَنَا قَطَائِعُ الْحَدِيثَ.
أَيْ أَنَّ الْأَنْصَارَ عَرَفُوا ذَلِكَ لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا، فَقَدِ اسْتَوَى الْمُهَاجِرُونَ مَعَ الْأَنْصَارِ فِي هَذَا الْوَصْفِ الْمِثَالِيِّ الْكَرِيمِ، وَكَانَ خُلُقًا لِكَثِيرِينَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكَذَلِكَ عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حِينَمَا كَانَتْ صَائِمَةً، وَلَيْسَ عِنْدَهَا سِوَى قُرْصٍ مِنَ الشَّعِيرِ وَجَاءَ سَائِلٌ فَقَالَتْ لِبَرِيرَةَ: ادْفَعِي إِلَيْهِ مَا عِنْدَكِ، فَقَالَتْ لَهَا: لَيْسَ إِلَّا مَا سَتُفْطِرِينَ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ لَهَا: ادْفَعِيهِ إِلَيْهِ، وَلَعَلَّهَا أَحْوَجُ إِلَيْهِ الْآنَ، أَوْ كَمَا قَالَتْ.
وَلَمَّا جَاءَ الْمَغْرِبُ أُهْدِيَ إِلَيْهِمْ رِجْلُ شَاةٍ بِقِرَامِهَا - وَقِرَامُهَا هُوَ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ
إِذَا أَرَادُوا شِوَاءَ شَاةٍ طَلَوْهَا مِنَ الْخَارِجِ بِالْعَجِينِ حِفْظًا لَهَا مِنْ رَمَادِ الْجَمْرِ - فَقَالَتْ لِبَرِيرَةَ: كُلِي، هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِكِ.
وَكَمَا فَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصَدَّقَ بِالْعِيرِ وَمَا تَحْمِلُهُ مِنْ تِجَارَةٍ حِينَ قَدِمَتْ، وَالرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَيْهَا.
فَعَلَى هَذَا كَانَ مُجْتَمَعُ الْمَدِينَةِ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُجْتَمَعًا مُتَكَافِلًا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَقَدْ نَوَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ بِفَضْلِ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ».
وَمِنْ بَعْدِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَيَحْفَظَ لَهُمْ كَرَامَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ، مِنْ قَبْلُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ.
ثُمَّ كَانَ هَذَا خُلُقَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ جَمِيعًا، كَمَا وَقَعَ فِي وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ، قَالَ حُذَيْفَةُ الْعَدَوِيِّ: انْطَلَقْتُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَطْلُبُ ابْنَ عَمٍّ لِي، وَمَعِي شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ وَأَنَا أَقُولُ: إِنْ كَانَ بِهِ رَمَقٌ سَقَيْتُهُ، فَإِذَا أَنَا بِهِ فَقُلْتُ لَهُ: أَسْقِيكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يَقُولُ: آهٍ آهٍ، فَأَشَارَ إِلَيَّ ابْنُ عَمِّي أَنِ انْطَلِقْ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ، فَقُلْتُ أَسْقِيكَ؟ فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ، فَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ آهٍ آهٍ، فَأَشَارَ هِشَامُ أَنِ انْطَلِقْ إِلَيْهِ فَجِئْتُهُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، فَرَجَعْتُ إِلَى هِشَامٍ، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، فَرَجَعْتُ إِلَى ابْنِ عَمِّي فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ.
وَكَانَ مَنْهَجُ الْخَوَاصِّ مِنْ بَعْدِهِمْ، كَمَا نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَبِي يَزِيدِ الْبِسْطَامِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا غَلَبَنِي أَحَدٌ مَا غَلَبَنِي شَابٌّ مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ، قَدِمَ عَلَيْنَا حَاجًّا فَقَالَ لِي: مَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ؟ فَقُلْتُ: إِنْ وَجَدْنَا أَكَلْنَا، وَإِنْ فَقَدْنَا صَبَرْنَا، فَقَالَ: هَكَذَا كِلَابُ بَلْخٍ عِنْدَنَا، فَقُلْتُ: وَمَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ؟ قَالَ: إِنْ فَقَدْنَا شَكَرْنَا وَإِنْ وَجَدْنَا آثَرْنَا.
وَفِي قَوْلِهِ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، الْإِيثَارُ عَلَى النَّفْسِ: تَقْدِيمُ الْغَيْرِ عَلَيْهَا مَعَ الْحَاجَةِ، وَالْخَصَاصَةُ: الَّتِي تَخْتَلُّ بِهَا الْحَالُ، وَأَصْلُهَا مِنَ الِاخْتِصَاصِ، وَهُوَ الِانْفِرَادُ فِي الْأَمْرِ، فَالْخَصَاصَةُ الِانْفِرَادُ بِالْحَاجَةِ أَيْ: وَلَوْ كَانَ بِهِمْ فَاقَةٌ وَحَاجَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
| أَمَّا الرَّبِيعُ إِذَا تَكُونُ خَصَاصَةٌ | عَاشَ السَّقِيمُ بِهِ وَأَثْرَى الْمُقْتِرَ |
| خُذِي الْعَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي | وَلَا تَنْطِقِي فِي سَوْرَتِي حِينَ أَغْضَبُ |
فَيَجِبُ عَلَى الْمُنْفِقِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْجُودِ وَالتَّبْذِيرِ، وَبَيْنَ الْبُخْلِ وَالْإِقْتَارِ، فَالْجُودُ غَيْرُ التَّبْذِيرِ، وَالِاقْتِصَادُ غَيْرُ الْبُخْلِ فَالْمَنْعُ فِي مَحَلِّ الْإِعْطَاءِ مَذْمُومٌ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ، وَالْإِعْطَاءُ فِي مَحَلِّ الْمَنْعِ مَذْمُومٌ أَيْضًا، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ صفحة رقم 45
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
| لَا تَمْدَحَنَّ ابْنَ عِبَادٍ وَإِنْ هَطَلَتْ | يَدَاهُ كَالْمُزْنِ حَتَّى تَخْجَلَ الدِّيَمَا |
| فَإِنَّهَا خَطَرَاتٌ مِنْ وَسَاوِسِهِ | يُعْطِي وَيَمْنَعُ لَا بُخْلًا وَلَا كَرَمًا |
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
| إِنَّ الصَّنِيعَةَ لَا تَكُونُ صَنِيعَةً | حَتَّى يُصَابَ بِهَا طَرِيقُ الْمَصْنَعِ |
فَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ: هُوَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالًا، فَفِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ يَكُونُ الْإِيثَارُ مَمْنُوعًا، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا كَانَتْ عَلَى الْمُنْفِقِ نَفَقَاتٌ وَاجِبَةٌ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَنَحْوِهَا فَتَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ وَاجِبٍ، وَتَرَكَ الْفَرْضَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»، وَكَأَنْ يَكُونَ لَا صَبْرَ عِنْدَهُ عَنْ سُؤَالِ النَّاسِ فَيُنْفِقُ مَالَهُ، وَيَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ يَسْأَلُهُمْ مَالَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؟ وَالْإِيثَارُ فِيمَا إِذَا كَانَ لَمْ يُضَيِّعْ نَفَقَةً وَاجِبَةً، وَكَانَ وَاثِقًا مِنْ نَفْسِهِ بِالصَّبْرِ، وَالتَّعَفُّفِ، وَعَدَمِ السُّؤَالِ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ يَعْنِي بِهِ الزَّكَاةَ، فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. انْتَهَى مِنْهُ.
وَالْوَاقِعُ أَنَّ لِلْإِنْفَاقِ فِي الْقُرْآنِ مَرَاتِبَ ثَلَاثَةً:
الْأُولَى: الْإِنْفَاقُ مِنْ بَعْضِ الْمَالِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. صفحة رقم 46
الثَّانِيَةُ: الْإِنْفَاقُ مِمَّا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ وَيَحْرِصُ عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ [٢ ١٧٧]، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَوْلِهِ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا الْآيَةَ [٧٦ ٨].
الثَّالِثَةُ: الْإِنْفَاقُ مَعَ الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ كَهَذِهِ الْآيَةِ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ فَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الْخَاصِّ الْأَوَّلِ.
وَتُعْتَبَرُ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى هِيَ الْحَدُّ الْأَدْنَى فِي الْوَاجِبِ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الزَّكَاةُ، وَهِيَ تَشْمَلُ النَّافِلَةَ، وَتَصْدُقُ عَلَى أَدْنَى شَيْءٍ وَلَوْ شِقِّ تَمْرَةٍ، وَتَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [٩٩ ٧]، وَتُعْتَبَرُ الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ هِيَ الْحَدُّ الْأَقْصَى؛ لِأَنَّهَا إِيثَارٌ لِلْغَيْرِ عَلَى خَاصَّةِ النَّفْسِ، وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الْوُسْطَى بَيْنَهُمَا، وَهِيَ الْحَدُّ الْوَسَطُ بَيْنَ الِاكْتِفَاءِ بِأَقَلِّ الْوَاجِبِ، وَبَيْنَ الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ وَهِيَ مِيزَانُ التَّوَسُّطِ لِعَامَّةِ النَّاسِ، كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [١٧ ٢٩]، وَكَمَا امْتَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْمًا بِالِاعْتِدَالِ فِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [٢٥ ٦٧].
وَهَذَا هُوَ عَيْنُ تَطْبِيقِ قَاعِدَةِ الْفَلْسَفَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْقَائِلَةِ: الْفَضِيلَةُ وَسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ أَيْ: طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، فَالشَّجَاعَةُ مَثَلًا وَسَطٌ بَيْنَ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ، وَالْكَرَمُ وَسَطٌ بَيْنَ التَّبْذِيرِ وَالتَّقْتِيرِ.
وَلِلْإِنْفَاقِ جَوَانِبُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَأَحْكَامٌ مُتَفَاوِتَةٌ، قَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَانِبًا مِنَ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ الْجَوَانِبَ الْأُخْرَى، وَتَنْحَصِرُ فِي الْآتِي: نَوْعِ مَا يَقَعُ مِنْهُ الْإِنْفَاقُ، الْجِهَةِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهَا، مَوْقِفِ الْمُنْفِقِ، وَصُورَةِ الْإِنْفَاقِ.
أَمَّا مَا يَقَعُ مِنْهُ الْإِنْفَاقُ: قَدْ بَيَّنَهُ تَعَالَى أَوَّلًا مِنْ كَسْبٍ حَلَالٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [٢ ٢٦٧].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [٣ ٩٢].
أَمَّا الْجِهَةُ الْمُنْفَقِ عَلَيْهَا: فَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
[٢ ٢١٥] فَبَدَأَ بِالْوَالِدَيْنِ بِرًّا لَهُمَا، وَثَنَّى بِالْأَقْرَبِينَ.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْقَرِيبِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ، وَعَلَى الْبَعِيدِ صَدَقَةٌ» ثُمَّ الْيَتَامَى وَهَذَا وَاجِبٌ إِنْسَانِيٌّ وَتَكَافُلٌ اجْتِمَاعِيٌّ، لِأَنَّ يَتِيمَ الْيَوْمِ مُنْفِقُ الْغَدِ، وَوَلَدَ الْأَبَوَيْنِ الْيَوْمَ قَدْ يَكُونُ يَتِيمًا غَدًا، أَيْ: أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى الْيَتِيمِ الْيَوْمَ قَدْ يَتْرُكُ أَيْتَامًا، فَيُحْسِنُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْيَتِيمُ الَّذِي أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ بِالْأَمْسِ، «وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» أُمُورٌ عَامَّةٌ.
وَجَاءَ بِالْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي يُحَاسِبُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا وَيُجَازِي صَاحِبَهَا وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ أَيْ: مُطْلَقًا فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [٢ ٢١٥]، وَكَفَى فِي ذَلِكَ عِلْمُهُ تَعَالَى.
أَمَّا مَوْقِفُ الْمُنْفِقِ وَصُورَةُ الْإِنْفَاقِ: فَإِنَّ هَذَا هُوَ سِرُّ النَّفَقَةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَفَلْسَفَةُ الْإِنْفَاقِ كُلُّهَا تَظْهَرُ فِي هَذَا الْجَانِبِ، مِمَّا تَمَيَّزَ بِهِ الْإِسْلَامُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْيَانِ أَوِ النُّظُمِ.
لِأَنَّهُ يُرَكِّزُ عَلَى الْحِفَاظِ عَلَى شُعُورِ وَإِحْسَاسِ الْمِسْكِينِ، بِحَيْثُ لَا يُشْعِرُهُ بِجُرْحِ الْمَسْكَنَةِ، وَلَا ذِلَّةِ الْفَاقَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [٢ ٢٦٢].
ثُمَّ فَاضَلَ بَيْنَ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالصَّدَقَةِ الْمُؤْذِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [٢ ٢٦٣] يُعْطِي وَلَا يَمُنُّ بِالْعَطَاءِ.
وَأَفْهَمَ الْمُنْفِقِينَ أَنَّ الْمَنَّ وَالْأَذَى يُبْطِلُ الصَّدَقَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [٢ ٢٦٤] لِمَا فِيهِ مِنْ جَرْحِ شُعُورِ الْمِسْكِينِ.
وَقَدْ حَثَّ عَلَى إِخْفَائِهَا إِمْعَانًا فِي الْحِفَاظِ عَلَى شُعُورِهِ وَإِحْسَاسِهِ: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ أَيْ: مَعَ الْآدَابِ السَّابِقَةِ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [٢ ٢٧١] أَيْ: لَكُمْ أَنْتُمْ فِي حِفْظِ ثَوَابِهَا.
وَقَدْ جَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ»، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [٢ ٢٧٤].
أضواء البيان
محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي