ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ

ثم بين المساكين المذكورين قبل، فقال :
لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ .
قلت :" للفقراء " يتعلق بمحذوف، أي : يعطي، أو : اعْجَبوا، على أنه استئناف، وقيل : بدل من " ذي القربى ".
يقول الحق جلّ جلاله : للفقراءِ أي : يعطى الفيء للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالِهم حيث اضطرهم كفارُ مكة إلى الخروج من مكة، وكانوا مائة رجل. وفيه دليل على أنّ الكفار يملكون ما استولوا عليه من أموال المسلمين ؛ لأنّ الله تعالى سمّاهم فقراء، مع أنهم كانت لهم ديار وأموال بمكة، فخرجوا يبتغون فضلاً من الله ورضواناً أي : طالبين منه تعالى رزقاً في الدنيا، ورضا في الآخرة، أو : يطلبون الجنة ورضوان الله أو : زيادة في الإيمان والرضوان، وينصرون اللهَ ورسولَه أي : ناوين نصرة دين الله وإعانة رسوله، أولئك الموصوفون بما فصّل من الصفات الحميدة هُم الصادقون ؛ الراسخون في الصدق، حيث ظهر ذلك عليهم ؛ بما فعلوا من مفارقة الأوطان والأهل والولدان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الذين يستحقون المواهب، والفيض الإلهي والاصطفاء، ثلاثة أصناف، الأول : الفقراء الذين هاجروا أوطانهم، وتركوا ديارهم وعشائرهم ؛ طلباً لصلاح قلوبهم وأسرارهم، والثاني : القوم الذين نزلوا بهم إذا آووهم وآثروهم بأموالهم وأنفسهم، الثالث : مَن جاء بعدهم طلباً لذلك، على الوصف الذي ذكره الحق يقولون ربنا اغفر لنا... الخ. قال الورتجبي : قوله تعالى : والذين تبوؤوا الدارَ والإيمان... الخ، أثنى الله سبحانه على الفقراء، ووصَفَهم بأحسن الوصف، إذ كانوا صادقين في فقرهم، ثم أثنى على الأغنياء لِصدقهم في غناهم، ووصَفَهم بالإيمان والمعرفة بالله من قبلهم ولزومهم مواضع قربه، وخفضِهم جناحهم لإخوانهم من الفقراء، ومحبتهم، وتقديسهم من الحسد والشح والبُغض وحب الدنيا، ثم وَصَفَهم بالسخاء والإيثار، فلم يبقَ في قلوبهم من حب الدنيا وجاهها ذرة. ومَنْ سجيتُه مقدسة مِن حرص نفسه أفلح وظفر برؤية ربه. هـ. قلت : كأنه يشير إلى أنَّ قوله تعالى : للفقراء المهاجرين هم أهل السير من المريدين، وقوله تعالى : والذين تبوؤوا الدار... هو الواصلون العارفون، أي : تبوؤوا دارَ المعرفة، حيث سكنوها، ورسخوا فيها، وأَلفِوا الإيمان وذاقوا حلاوته.
وقوله تعالى : ويُؤثرون على أنفسهم... الخ، بعد أن وَصَفَهم بقطع الطمع والحرص، والزهد فيما لم يملكوا بقوله : ولا يجدون في صدورهم حاجة وَصَفَهم بالإيثار فيما ملكوا، وبذلك يتم تحقيق خروج الدنيا من قلوبهم، بحيث لا يتعلق القلب بما فات منها، ولا يُمسك ما وجد منها، بل يُؤثر به مع الحاجة إليه، فالآية تشير إلى سلامة الصدور، وسخاوة الأنفس، وهذا كان وصف الصحابة - رضي الله عنهم - وبهذين الخصلتين فاقوا جميعَ الناس، وهي أخلاق الصوفية - رضي الله عنهم - قال الشيخ أبو يزيد : ما غلبني أحد غير شاب من بَلْخ، قَدِمَ حاجًّا، فقال : يا أبا يزيد، ما الزهد عندكم ؟ فقلت : إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا، فقال : هكذا عندنا الكلاب ببلخ، فقلت : وما الزهد عندكم ؟ فقال : إذا وجدنا آثرنا، وإذا فقدنا شكرنا. هـ. وسُئل ذو النون : ما حد الزاهد المشروح صدره ؟ فقال : ثلاثة ؛ تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. هـ.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير