ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ

يقول تعالى مبيناً حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً ، أي خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه، وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك هُمُ الصادقون أي هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات المهاجرين. ثم قال تعالى مادحاً للأنصار ومبيناً فضلهم وشرفهم وكرمهم وعدم حسدهم وإيثارهم مع الحاجة، فقال تعالى : والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ أي سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم، قال عمر :« وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم ». وقوله تعالى : يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ أي من كرمهم وشرف أنفسهم، يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم، روى الإمام أحمد، عن أَنَس قال :« قال المهاجرون : يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم، أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال :» لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم « ودعا النبي ﷺ » الأنصار أن يقطع لهم البحرين، قالوا : لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلنا، قال :« إما لا، فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم أثرة » « وقال البخاري، عن أبي هريرة قال :» قالت الأنصار : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال :« لا »، فقالوا : أتكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا : سمعنا وأطعنا «، وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ أي ولا يجدون في أنفسهم حسداً للمهاجرين، فيما فضلهم الله بن من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة، قال الحسن البصري : وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً يعني الحسد مِّمَّآ أُوتُواْ قال قتادة : يعني فيما أعطي إخوانهم، وقال عبد الرحمن بن زيد في قوله تعالى : وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ يعني مما أوتوا : المهاجرون، قال : وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم في الأنصار فعاتبهم الله في ذلك فقال تعالى : وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَآءُ والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الحشر : ٦ ] قال : وقال رسول الله ﷺ :» « إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم »، فقالوا : أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله ﷺ :« أو غير ذلك؟ » قالوا : وما ذاك يا رسول الله؟ قال :« هم قوم لا يعرفون العلم فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر »، فقالوا : نعم يا رسول الله، وقوله تعالى : وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ «

صفحة رقم 2523

عني حاجة، أي يقدموا المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدأون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال :« أفضل الصدقة جهد المقل »، ومن هذا المقام « تصدق الصدّيق رضي الله عنه بجميع ماله، فقال له رسول الله ﷺ :» ما أبقيت لأهلك؟ « فقال رضي الله عنه : أبقيت لهم الله ورسوله »، وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشربه أحد منهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وقال البخاري، عن أبي هريرة قال :« أتى رجل رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً، فقال النبي ﷺ :» ألا رجل يضيف هذه الليلة رحمه الله « فقال رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله، فقال لامرأته هذا ضيف رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئاً، فقالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال : فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم فأطفئي السرج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ فقال :» لقد عجب الله عزّ وجلّ - أو ضحك - من فلان وفلانة «، وأنزل الله تعالى : وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ . وفي رواية لمسلم تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة رضي الله عنه.
وقوله تعالى : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون أي من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال :»
إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم « وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه سلم :» اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا « وقال ابن أبي حاتم، عن الأسود بن هلال قال : جاء رجل إلى عبد الله فقال : يا أبا عبد الرحمن إني أخاف أن أكون قد هلكت، فقال له عبد الله : وما ذاك؟ قال : سمعت الله يقول : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئاً، فقال عبد الله : ليس ذلك بالشح الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشح الذي ذكر الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً، ولكن ذاك البخل، وبئس الشيء البخل، وعن أبي الهياج الأسدي، قال : كنت أطوف بالبيت فرأيت رجلاً يقول : اللهم قني شح نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له : فقال إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.

صفحة رقم 2524

وفي الحديث :« بريء من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة ».
وقوله تعالى : والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء، وهم المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية براءة : والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [ التوبة : ١٠٠ ]، فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة، وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة : والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ أي قائلين : رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ أي بغضاً وحسداً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ، وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء، وقال ابن أبي حاتم، عن عائشة أنها قالت : أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم، ثم قرأت هذه الآية : والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان الآية، وقال ابن جرير : قرأ عمر بن الخطاب : إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين [ التوبة : ٦٠ ] حتى بلغ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ التوبة : ٦٠ ]، ثم قال : هذه لهؤلاء، ثم قرأ : واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى [ الأنفال : ٤١ ] الآية : ثم قال : هذه لهؤلاء، ثم قرأ : مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى [ الحشر : ٧ ] حتى بلغ والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ثم قال : استوعبت هذه المسلمين عامة، وليس أحد إلا وله فيها حق، ثم قال : لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه فيها لم يعرق بها جبينه.

صفحة رقم 2525

تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية