ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون١٠٨ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون١٠٩ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون [ الأنعام : ١٠٨ ١١٠ ].
المعنى الجملي : بعد أن أمر الله رسوله سبحانه رسوله فيما سبق من الآيات بتبليغ وحيه بالقول والعمل، والإعراض عن المشركين بمقابلة جحودهم وطعنهم في الوحي بالصبر والحلم، وبين أن من مقتضى سنته في البشر ألا يتفقوا على دين لاختلاف استعدادهم وتفاوتهم في درجات الفهم والفكر، وذكر أن وظيفة الرسل أن يكونوا مبلغين لا مسيطرين، وهادين لا جبارين، فينبغي ألا يضيقوا ذرعا بما يرون وما يشاهدون من الازدراء بهم والطعن في دينهم، فإن الله هو الذي منحهم هذه الحرية ولم يجبرهم على الإيمان ـ نهى المؤمنين هنا عن سبب آلهة المشركين، لأنهم إذا شتموا فربما غضبوا، وذكروا الله بما لا ينبغي من القول، ثم طلب بعضهم للآيات، لأن القرآن ليس من جنس المعجزات، ولو جاءهم بمعجزة ظاهرة لآمنوا به، وحلفوا على ذلك وأكدوه بكل يمين محرجة.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله الآية، قال : قالوا يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم أن يسبوا أوثانهم فيسبوا الله عدوا بغير علم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال :" لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش : انطلقوا فلندخلن على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب : كان يمنعه ويحميه فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة بن أبي معيط وعمروا بن العاص الأسود بن البختري، وبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب فقالوا : استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذن لهم فدخلوا فقالوا : يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه فقال له : هؤلاء قومك وبنو عمك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما يريدون ؟ " قالوا : نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، قال أبو طالب : قد أنصفك قومك فاقبل منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" أرأيتم لو أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم وأدت لكم الخراج ؟ " قال أبو جهل : وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي ؟ قال :" قولوا لا إله إلا الله " فأبوا واشمأزوا، قال أبو طالب : قل غيرها فإن قومك قد فزعوا منها، قال :" يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوني بها فوضعوها في يدي ما قلت غيرها " فغضبوا وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتم من يأمرك، فأنزل الله : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم .
الإيضاح : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم أي ولا تسبوا أيها المؤمنون معبودات المشركين التي يدعونها من دون الله لجلب نفع لهم أو دفع ضر عنهم بوساطتها وشفاعتها عند الله، إذ نتج عن ذلك سبهم لله سبحانه وتعالى عدوا أي تجاوز منهم للحد في السباب والمشاتمة ليغيظوا المؤمنين. وقوله بغير علم : أي بجهالة بالله تعالى وبما يجب أن يذكر به.
وفي ذلك إيماء إلى أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وجب تركها، فإن ما يؤدي إلى الشر شر، وإلى أنه لا يجوز أن يعمل مع الكفار ما يزدادون به بعدا عن الحق ونفورا منه، ألا ترى إلى قوله تعالى لموسى وهارون في مخاطبة فرعون : فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [ طه : ٤٤ ]
كذلك زينا لكل أمة عملهم أي مثل ذلك التزيين الذي يحمل المشركين على ما ذكر حمية لمن يدعون من دون الله زينا لكل أمة عملهم من كفر وإيمان وشر وخير.
والخلاصة : إن سنننا في أخلاق البشر قد جرت بأن يستحسنوا ما يجرون عليه ويتعودونه، سواء كان مما عليه آباؤهم أو مما استحدثوه بأنفسهم إذا صار ينسب إليهم، وسواء أكان ذلك عن تقليد وجهل أم عن بينة وعلم.
ومن هذا يعلم : أن التزيين أثر لأعمالهم الاختيارية بدون جبر ولا إكراه، لا أن الله خلق في قلوب بعض الأمم للكفر والشر، وفي قلوب بعض الأمم تزيينا للكفر والشر، وفي قلوب بعضها تزيينا للإيمان والخير من غير أن يكون لهم عمل اختياري نشأ عنه ذلك، وإلا كان الإيمان والكفر والخير والشر من الغرائز الخلقية التي تعد الدعوة إليها من العبث الذي يتنزه الله تعالى عن إرسال الرسل وإنزال الكتب لأجله، وكان عمل الرسل والحكماء والمؤدبين الذين يؤدبون الناس عملا لا فائدة فيه.
والخلاصة : إن تزيين الأعمال للأمم سنة من سنن الله جل شأنه سواء في ذلك أعمالها وعاداتها وأخلاقها الموروثة والمكتسبة.
ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون أي ثم إلى ربهم ومالك أمرهم رجوعهم ومصيرهم بعد الموت وحين البعث، لا إلى غيره إذ لا رب سواه، فينبئهم بما كانوا يعملون في الدنيا من خير أو شر ويجزيهم عليه ما يستحقون وهو بهم عليم.
المعنى الجملي : بعد أن أمر الله رسوله سبحانه رسوله فيما سبق من الآيات بتبليغ وحيه بالقول والعمل، والإعراض عن المشركين بمقابلة جحودهم وطعنهم في الوحي بالصبر والحلم، وبين أن من مقتضى سنته في البشر ألا يتفقوا على دين لاختلاف استعدادهم وتفاوتهم في درجات الفهم والفكر، وذكر أن وظيفة الرسل أن يكونوا مبلغين لا مسيطرين، وهادين لا جبارين، فينبغي ألا يضيقوا ذرعا بما يرون وما يشاهدون من الازدراء بهم والطعن في دينهم، فإن الله هو الذي منحهم هذه الحرية ولم يجبرهم على الإيمان ـ نهى المؤمنين هنا عن سبب آلهة المشركين، لأنهم إذا شتموا فربما غضبوا، وذكروا الله بما لا ينبغي من القول، ثم طلب بعضهم للآيات، لأن القرآن ليس من جنس المعجزات، ولو جاءهم بمعجزة ظاهرة لآمنوا به، وحلفوا على ذلك وأكدوه بكل يمين محرجة.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله الآية، قال : قالوا يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم أن يسبوا أوثانهم فيسبوا الله عدوا بغير علم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال :" لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش : انطلقوا فلندخلن على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب : كان يمنعه ويحميه فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة بن أبي معيط وعمروا بن العاص الأسود بن البختري، وبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب فقالوا : استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذن لهم فدخلوا فقالوا : يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه فقال له : هؤلاء قومك وبنو عمك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما يريدون ؟ " قالوا : نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، قال أبو طالب : قد أنصفك قومك فاقبل منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" أرأيتم لو أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم وأدت لكم الخراج ؟ " قال أبو جهل : وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي ؟ قال :" قولوا لا إله إلا الله " فأبوا واشمأزوا، قال أبو طالب : قل غيرها فإن قومك قد فزعوا منها، قال :" يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوني بها فوضعوها في يدي ما قلت غيرها " فغضبوا وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتم من يأمرك، فأنزل الله : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم .
تفسير المراغي
المراغي