ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم لما أنزل الله تعالى قوله : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون٩٨ ( الأنبياء : آية ٩٨ ) اجتمع رؤساء قريش من كفار مكة إلى أبي طالب في آخر أيام حياته قالوا له : إن ابن أخيك يعيب آلهتنا ويذمها. والله لتنهين ابن اخيك عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهه الذي أمره بهذا. فانزل الله : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم .
وقال بعض العلماء : كان المؤمنون يسبون الأصنام بانها أجرام لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا تبصر، فأنزل الله نهيهم عن ذلك لئلا يتذرع به المشركون فينتقمون منهم فيسبون ربهم، ولذا قال تعالى : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله . السب معناه : الذم والثلب بذكر المساوئ التي لا تليق. والعرب تقول : سبه يسبه، وتسابا سبابا، إذا هجا كل واحد منهما الآخر وقال فيه قولا قبيحا. والسباب : المهاجاة والمشاتمة. وسب الرجل هو الذي يكافئه فيرد عليه إذا سبه. ومنه قول حسان بن ثابت " رضي الله عنه "

لا تسبنني فلست بسبي إن سبي من الرجال الكريم
والمعنى : لا تهجوا أصنامهم وتقولوا ما هي متصفة به من الخساسة، فيتسبب عن ذلك أن يسبوا الله ( جل وعلا ). وإذا سبوا الله معناه : أنهم قالوا فيه ما ليس بواقع، لأن الله ليس متصفا إلا بالكمال والجلال، فليس فيه نقص حتى يكون موضعا للسب. ولكن الكفرة الفجرة يكذبون. فمعنى فيسبوا الله يتكلمون فيه بما لا يليق بكماله وجلاله ( جل وعلا ).
وقوله : عدوا العدو معناه : الظلم والعدوان. أي : فيسبوه ظلما وعدوانا، وهو خالقهم ورازقهم المحسن إليهم وإعراب قوله : عدوا فيه أوجه من الإعراب معروفة :
احدها : انه مصدر منكر بمعنى الحال، أي : فيسبوه في حال كونهم معتدين ظالمين.
الثاني : أنه ما ناب عن المطلق من " يسبوا "، لأنه سب الله عدوان فيسبوا الله معناه : يعتدوا بسب الله عدوا ، أي : عدوانا وعليه فهو ما ناب عن المطلق.
والإعراب الثالث فيه : انه مفعول من أجله، أي : فيسبوا الله لأجل عدوانهم، وطغيانهم، وظلمهم.
وقوله : بغير علم الظاهر أن الجار والمجرور في محل حال ثانية، أي : حال كونهم معتدين جاهلين، لا علم لهم بما ينبغي أن يقال في الله، حيث يسبوا الله ( جل وعلا ). وهذا معنى قوله : عدوا بغير علم .
وهذه الآية الكريمة –من آيات الأحكام – أخذ العلماء منها أصل ( سد الذرائع )، لأن سب الأصنام بالنسبة إلى ذاته جائز مطلوب، ولكن لما كان هذا الأمر المحمود الطيب – وهو سب الأصنام وتقبيحها- قد يؤدي إلى أمر آخر لا يجوز، وهو سب الله، منع هذا الشيء الطيب سدا للذريعة التي وذريعة الشيء /أصلها طريقه الموصلة إليه.
ومعروف عند علماء الأصول أن الذرائع ثلاثة أقسام :
قسم منها يجب سده إجماعا، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة من سورة الأنعام، ودل عليه الحديث الصحيح المتفق عليه. وهذا القسم هو أن يكون هذا الأمر جائزا أو مطلوبا، وليس في نفسه فساد في ذاته، أو فيه خير، إلا أنه يؤدي إلى شر عظيم، كسب الأصنام، فإنه في ذاته طيب مطلوب، إلا أنه لما كان يكون سببا لسب الله كان محرما.
ومن هذا النوع، وهي الذريعة التي يجب سدها إجماعا : حفر الآبار في طرق المسلمين، فلو جاء رجل إلى طريق المسلمين وحفر فيها بئرا ليلا، وغطى فم البئر بشيء خفيف، فمن جاء مع الطريق وتردى في البئر ففعله وحفره البئر ليس نفس إهلاك لنفس ولا مال، ولكنه ذريعة لذلك يجب سدها ومنعها بالإجماع.
ومن هذا النوع : إلقاء السم في مياه المسلمين وأطعمتهم. فإلقاء السم في مياه المسلمين التي يشربون، وإلقاؤه في أطعمتهم ذريعة للفساد يجب سدها بإجماع المسلمين. ( بدون إحالة )
هذا إحدى أنواع الذرائع الثلاث، لأن نوعا منها يجب سده بإجماع المسلمين كما مثلنا له ودلت عليه هذه الآية الكريمة من سورة الأنعام ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : " إن من العقوق شتم الرجل والديه ". قالوا : يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال :" نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أم الرجل فيسب أمه "، هذا الحديث الصحيح سمى ( به ) النبي صلى الله عليه وسلم ( في الأصل : " سمى النبيى صلى الله عليه – به – وسلم وسمى.... " وهو سبق لسان ) ذريعة السب :( سبا ) وهو كالآية يدل على أن ذريعة الحرام حرام.
النوع الثاني من أنواع الذرائع الثلاث : نوع لا يجب سده بإجماع المسلمين، فهو ذريعة يجب إهدارها وإلغاؤها، ولا يجب سدها بإجماع المسلمين. وهذا النوع من الذرائع نوعان :
أحدهما : أن يكون الفساد بعيدا فيه، والمصلحة أرجح من الفساد فيه. ومثال هذا النوع : غرس شجر العنب. فإن غرس شجر العنب ذريعة إلى عصر الخمر التي هي أم الخبائث، قبحها الله، وقبح شاربها، إلا أن الذين يعصرون الخمر من المجتمع ويشربونه قلة في أقطار الدنيا، فمنفعة انتشار العنب والزبيب في أقطار الدنيا مصلحة عظمى ألغى من أجل هذه المصلحة المفسدة التي قد تكون من شجر العنب بعصر الخمر منه، لأن الذي يعصرها أفراد قليلون ويشربونها، ولو ضاعت عقولهم بسبب شربها فمصلحة العالم العامة بوجود العنب والزبيب في أقطار الدنيا أعظم من هذه المفسدة الجزئية، فألغيت هذه الذريعة وأهدرت.
ومن هذا النوع : إجماع العلماء من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم في أقطار الدنيا أنه يجوز في البلد الواحد أن يكون – يسكن- فيه الرجال والنساء. في هذا البيت رجال ونساء، وفي هذا رجال ونساء، مع هذا بناته وأزواجه وأخواته وهكذا مع ان اجتماع الرجال والنساء في البلد الواحد قد يكون ذريعة للزنى –أعاذنا الله والمسلمين منه – من بعض الأفراد، لأنه قد يشير إليها من غرفة أو سطح كما هو معروف، وكما قال نصر بن حجاج :
ليتني في المؤذنين نهارا إنهم ينظرون من في السطوح
فيشيرون أو يشار إليهم حبذا كل ذات دل مليح
أو تلقي إليه ورقة، أو يلقيها إليها في موعد يجتمعان فيه على القبيح الخسيس قبح الله من يفعله، فاجتماع الرجال والنساء في البلد الواحد لا شك أنه ذريعة لفعل بعض الفواحش، ولم يقل أحد من المسلمين بسد هذه الذريعة، فلم يقل أحد من العلماء، : إنه يجب أن يجعل جميع النساء في البلد على حدة، ويجعل عليهن حصن من حديد قوي، وأن يكون الباب قويا من حديد، والمفتاح عند رجل تقي ورع مأمون ذي شيبة وذي زواج، لم يقل أحد هذا من الناس ! ! لأن وقوع الفاحشة ولو وقعت من بعض الأخساء أمر نادر بالنسبة إلى مصالح المجتمع، ومعاونة الرجال والنساء على المجتمع الإنساني في مصالحه الدنيوية والأخروية، فهذه الذريعة ألغيت لعظم هذه المفسدة.
والحاصل أن المفسدة إذا عارضتها مصلحة فلذلك ثلاث حالات :
إما أن تكون المصلحة أعظم وأرجح، والمفسدة أقل وهي مرجوحة.
وإما أن تكون المفسدة أعظم.
وإما يستويان.
فإن كانت المصلحة أعظم – كما مثلنا- ألغيت الذريعة، وأهدرت.
وإن كانت المفسدة أعظم، أو استويا فإنه يجب سد الذريعة فيهما.
ومثالهما معا : ما لو كان من المسلمين أسارى عند الكفار في الجهاد مع الكفار، فأسر العدو، من الكفار أسرى المسلمين، طلب إمام المسلمين فداء الأسرى المسلمين من أيدي الكفار، فقال الكفار : لا نقبل فداءهم إلا بسلاح، وكان هذا السلاح يقدرهم على الفتك بالمسلمين بذلك السلاح قدر الأسارى أو أكثر منهم، فمصلحة فداء الأسارى تعارضها مفسدة قتل عددهم من المسلمين أو أكثر، فيجب سد هذه الذريعة، ولا يفدى أولئك الأسارى.
اما إذا كان السلاح يقدر به الكفار على أن يقتلوا المسلمين، فإن هذه المفسدة تكون مرجوحة، ويجوز فداؤهم. هذان نوعان من أنواع سد الذرائع، الأول مجمع على سده، والثاني مجمع على ( عدم ) ( زيادة يقتضيها السياق ) سده، وهما طرفان وواسطة، طرف من الذرائع يجب سده إجماعا، مثلنا له بسب الأصنام إن كان عبدتها يسبون الله، وكحفر الآبار في طرق المسلمين، وإلقاء السم في مشاربهم ومآكلهم. هذا النوع يجب سده إجماعا، ونوع لا يجب سده إجماعا، كما مثلنا له بغرس العنب، ومساكنة الرجال والنساء في البلد الواحد، وواسطة هي محل الخلاف بين العلماء.
ومثال هذه الواسطة التي هي محل الخلاف بين العلماء : البيوع المعروفة بالفقه المالكي ببيوع الآجال التي يسميها الحنابلة والشافعية : بيوع العينة، فهذه ذريعة لمحرم، والعلماء مختلفون فيها، كما لو باع إنسان سلعة إلى أجل معين بعشرة دراهم مثلا، ثم اشتراها بثمن أكثر لأبعد من الأول، أو بثمن أقل من الثمن الأول بدون الأجل، فإن ظاهر هاتين البيعتين أن كلا منهما بيعة لسلعة بثمن إلى أجل، وهي في ظاهرها جائزة، إلا أنها يمكن أن تكون ذريعة إلى ربا محرما، لأن السلعة الخارجة من اليد، العائدة إليها ملغاة، فيؤول الأمر إلى أنه أخذ أولا خمسة دراهم، ثم أخذ عنها في الأجل الثاني عشرة دراهم، وأخذ عشرة مؤجلة بدل خمسة هو ربا الجاهلية بعينه. فهذه الذريعة الوسطى ذهبت جماعة من العلماء إلى وجوب سدها وهو مذهب مالك بن أنس وأصحابه، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه، وهو مذهب أم المؤمنين عائشة( رضي الله عنها ).
وخالف في هذا النوع من الذرائع الإمام الشافعي، وزيد بن أرقم ( رضي الله عنه ).
قال الإمام الشافعي : هما بيعتان، كل واحدة منهما بيع سلعة بثمن معلوم، إلى أجل معلوم، وهذا لا شيء فيه.
وقد قالت أم المؤمنين عائشة ( رضي الله عنها ) لامرأة زيد بن أرقم قولي لزيد : إن لم يرجع عن هذا فإنه يبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومراد عائشة " رضي الله عنها " : أن هذا النوع من الذريعة ذريعة للربا، لأن السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة، فيؤل الأمر إلى أنه عند الأجل الأول دفع خمسة دراهم مثلا، وأخد عند الأجل الثاني عشرة دراهم، وهذا ربا الجاهلية، وإنما قالت عائشة لامرأة زيد : إنه إن لم يرجع عن هذا أبطل جهاده، لأن هذا ربا، وآكل الربا محارب الله، لأن أكل الربا هو محاربة الله، ومن أعظم الدواعي للغلبة في الجهاد أكل الربا، لأن آكل الربا محارب الله، ومحارب الله لا يفلح ولا ينجح، والله يقول في محكم كتابه : يا أْيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين١٧٨ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ( البقرة : الآيتان : ٢٧٨-٢٧٩ ) فلما كان آكل الربا حربا لله ولرسوله، لا يمكن أن يكون مجاهدا من حزب الله ورسوله، لأن الضدين لا يجتمعان. وهذا هو مراد عائشة ( رضي الله عنها )، لأنه إن لم يرجع عن هذا أبطل جهاده.
وهذا معنى قوله : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ( الأنعام : آية ١٠٨ ) في هذه الآية الكريمة سؤال عربي معروف، وهو أن لفظ الذين ولفظ : يدعون من خواص العقلاء، ومعبوداتهم أصنام وحجارة لا تعقل، فكيف يعبر عنها ب الذين يدعون التي هي صفة العقلاء الذكور ؟
والجواب عن هذا : أن القاعدة المقررة في علم العربية أن كل شيء غير عاقل إذا نزله بعض الناس منزلة العاقل، أو وصفه ببعض صفات العاق

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير