ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

الله ما أشركوا)، يقول: لو أراد ربُّك هدايتهم واستنقاذهم من ضلالتهم، للطف لهم بتوفيقه إياهم فلم يشركوا به شيئًا، ولآمنوا بك فاتبعوك وصدَّقوا ما جئتهم به من الحق من عند ربك = (وما جعلناك عليهم حفيظًا)، يقولُ جل ثناؤه: وإنما بعثتك إليهم رسولا مبلِّغًا، ولم نبعثك حافظًا عليهم ما هم عاملوه، تحصي ذلك عليهم، فإن ذلك إلينا دونك (١) = (وما أنت عليهم بوكيل)، يقول: ولست عليهم بقيِّم تقوم بأرزاقهم وأقواتهم ولا بحفظهم، فما لم يُجْعل إليك حفظه من أمرهم. (٢)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٧٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (ولو شاء الله ما أشركوا)، يقول سبحانه: لو شئتُ لجمعتهم على الهدى أجمعين.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ وللمؤمنين به: ولا تسبُّوا الذين يدعو المشركون من دون الله من الآلهة والأنداد، فيسبَّ المشركون اللهَ جهلا منهم بربهم، واعتداءً بغير علم، كما:-
١٣٧٣٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (ولا تسبوا الذين

(١) انظر تفسير ((حفيظ)) فيما سلف ص: ٢٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((وكيل)) فيما سلف ص: ١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

صفحة رقم 33

يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم)، قال: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبِّ آلهتنا، أو لنهجوَنَّ ربك! فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله عدوًا بغير علم.
١٣٧٣٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم)، كان المسلمون يسبون أوثان الكفار، فيردّون ذلك عليهم، فنهاهم الله أن يستسِبُّوا لربهم، (١) فإنهم قومٌ جهلة لا علم لهم بالله.
١٣٧٤٠- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم)، قال: لما حضر أبا طالب الموتُ، قالت قريش: انطلقوا بنا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب:"كان يمنعه فلما مات قتلوه"! فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأبيّ ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري، وبعثوا رجلا منهم يقال له:"المطلب"، قالوا: استأذن على أبي طالب! فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخولَ عليك! فأذن لهم، فدخلوا عليه فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإنّ محمدًا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحبّ أن تدعوه فتنهاهُ عن ذكر آلهتنا، ولندَعْه وإلهه! فدعاه، فجاء نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك! قال له أبو طالب:

(١) ((استسب له))، عرضه للسب وجره إليه. وفي حديث أبي هريرة: (لا تمشِيَنَّ أَمَامَ أَبِيكَ، ولا تجلِسْ قَبْلَهُ، ولا تَدْعُه باسْمه، ولا تَسْتَسِبَّ لهُ)، أي: لا تعرضه للسب وتجره إليه، بأن تسب أبا غيرك، فيسب أباك مجازاة لك = وهذا أدب يفتقده الناس يومًا بعد يوم.

صفحة رقم 34

قد أنصفك قومك، فاقبل منهم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أرأيتم إن أعطيتكم هذا، هل أنتم معطيَّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدَّت لكم الخراج؟ (١) قال أبو جهل: نعم وأبيك، لنعطينكها وعشرَ أمثالها، فما هي؟ قال: قولوا:"لا إله إلا الله"! فأبوا واشمأزُّوا. قال أبو طالب: يابن أخي، قل غيرها، فإن قومك قد فزعوا منها! قال: يا عم، ما أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوني بالشمس فيضعوها في يديّ، (٢) ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يديّ ما قلت غيرها! إرادةَ أن يُؤْيسهم، فغضبوا وقالوا: لتكفّنَّ عن شتمك آلهتنا، أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك. فذلك قوله (فيسبوا الله عدوًا بغير علم).
١٣٧٤١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوًا بغير علم، فأنزل الله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم).
١٣٧٤٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (فيسبوا الله عدوًا بغير علم) قال: إذا سببت إلهه سبَّ إلهك، فلا تسبوا آلهتهم.
* * *
قال أبو جعفر: وأجمعت الحجة من قرأة الأمصار على قراءة ذلك: (٣) (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)، بفتح العين، وتسكين الدال، وتخفيف الواو من قوله: (عدوًا)، على أنه مصدر من قول القائل:"عدا فلان على فلان"،

(١) في المطبوعة: ((ودانت لكم بها العجم بالخراج))، وفي المطبوعة: ((ودانت لكم بها العجم الحراح)) غير منقوطة، وفي تفسير ابن كثير ٣: ٣٧٤، ما أثبته، وهو الصواب إن شاء الله.
(٢) في المطبوعة: ((حتى يأتوا بالشمس))، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: ((وأجمعت الأمة من قراء الأمصار))، لم يحسن قراءة ما في المخطوطة.

صفحة رقم 35

إذا ظلمه واعتدى عليه،"يعدو عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا". و"الاعتداء"، إنما هو:"افتعال"، من ذلك. (١)
* * *
روى عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك:"عُدُوًّا" مشددة الواو.
١٣٧٤٣- حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون، عن عثمان بن سعد: (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عُدُوًّا)، مضمومة العين، مثقّلة. (٢)
* * *
وقد ذكر عن بعض البصريين أنه قرأ ذلك: (٣) "فَيَسُبُّوا الَله عَدُوًّا"، يوجِّه تأويله إلى أنهم جماعة، كما قال جل ثناؤه: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ)، [سورة الشعراء: ٧٧]، وكما قال: (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)، [سورة الممتحنة: ١] ويجعل نصب"العدوّ" حينئذ على الحال من ذكر"المشركين" في قوله: (فيسبوا)، = فيكون تأويل الكلام: ولا تسبوا أيها المؤمنون الذين يدعو المشركون من دون الله، فيسب المشركون الله، أعداءَ الله، بغير علم. وإذا كان التأويل هكذا، كان"العدوّ"، من صفة"المشركين" ونعتهم، كأنه قيل: فيسب المشركون أعداء الله، بغير علم= ولكن"العدوّ" لما خرج مخرج النكرة وهو نعت للمعرفة، نصب على الحال.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندي في ذلك، قراءةُ من قرأ بفتح العين وتخفيف الواو، لإجماع الحجة من القرأة على قراءة ذلك كذلك، وغير جائز خلافُها فيما جاءت به مجمعة عليه. (٤)
* * *

(١) انظر تفسير ((عدا)) فيما سلف ١٠: ٥٢٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) الأثر: ١٣٧٤٣ - ((عثمان بن سعد التميمي))، أبو بكر الكاتب المعلم. روى عن أنس، والحسن والبصري، وابن سيرين، وعكرمة، والمجاهد. تكلموا فيه. مترجم في التهذيب.
(٣) نسبها ابن خالويه في شواذ القراءات: ٤٠، إلى بعض المكيين، ولم يبينه. وقال أبو حيان في تفسيره ٤: ٢٠٠ ((وقال ابن عطية: وقرأ بعض المكيين، وعينه الزمخشري فقال: عن ابن كثير)).
(٤) في المطبوعة أسقط ((به))، وهي ثابتة في المخطوطة.

صفحة رقم 36

القول في تأويل قوله تعالى: كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
يقول تعالى ذكره: كما زيّنا لهؤلاء العادلين بربهم الأوثَانَ والأصنام، عبادةَ الأوثان وطاعةَ الشيطان بخذلاننا إيّاهم عن طاعة الرحمن، (١) كذلك زيَّنا لكل جماعةٍ اجتمعت على عملٍ من الأعمال من طاعة الله ومعصيته، عملَهم الذي هم عليه مجتمعون، (٢) ثم مرجعهم بعد ذلك ومصيرهم إلى ربهم (٣) ="فينبئهم بما كانوا يعملون". يقول: فيُوقفهم ويخبرهم بأعمالهم التي كانوا يعملون بها في الدنيا، (٤) ثم يجازيهم بها، إن كان خيرًا فخيرًا، وإن كان شرًّا فشرًّا، أو يعفو بفضله، ما لم يكن شركًا أو كفرًا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وحلف بالله هؤلاء العادلون بالله جَهْد حَلِفهم، وذلك أوكدُ ما قدروا عليه من الأيمان وأصعبُها وأشدُّها (٥) = (لئن جاءتهم

(١) انظر تفسير ((زين)) فيما سلف ١١: ٣٥٧
(٢) انظر تفسير ((أمة)) فيما سلف ١١: ٣٥٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((المرجع)) فيما سلف ١١: ٤٠٧، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((أنبأ)) فيما سلف ١١: ٤٣٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٥) انظر ((أقسم)) و ((جهد أيمانهم)) فيما سلف ١٠: ٤٠٧ - ٤٠٩، ولم يفسرهما.

صفحة رقم 37

آية)، يقول: قالوا: نقسم بالله لئن جاءتنا آية تصدِّق ما تقول، يا محمد، مثلُ الذي جاء مَنْ قبلنا من الأمم = (ليؤمنن بها)، يقول: قالوا: لنصدقن بمجيئها بك، وأنك لله رسولٌ مرسل، وأنّ ما جئتنا به حقُّ من عند الله.
وقيل:"ليؤمنن بها"، فأخرج الخبر عن"الآية"، والمعنى لمجيء الآية.
يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل إنما الآيات عند الله)، وهو القادر على إتيانكم بها دون كل أحد من خلقه = (وما يشعركم)، يقول: وما يدريكم (١) = (أنها إذا جاءت لا يؤمنون) ؟
* * *
وذكر أن الذين سألوه الآية من قومه، هم الذين آيس الله نبيَّه من إيمانهم من مشركي قومه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٧٤٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها)، إلى قوله: (يجهلون)، سألت قريش محمدًا أن يأتيهم بآية، واستحلفهم: ليؤمننّ بها.
١٣٧٤٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح: (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها)، ثم ذكر مثله.
١٣٧٤٦- حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: كلّم رسولُ الله ﷺ قريشًا، (٢) فقالوا:

(١) انظر تفسير ((أشعر)) فيما سلف ١١: ٣١٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك. وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٠٤.
(٢) في المطبوعة: ((قريش)) بالرفع، والصواب من المخطوطة.

صفحة رقم 38

جامع البيان في تأويل آي القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري

تحقيق

أحمد شاكر

الناشر مؤسسة الرسالة
الطبعة الأولى، 1420 ه - 2000 م
عدد الأجزاء 24
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية