المعنى الجملي : بعد أن أمر الله رسوله سبحانه رسوله فيما سبق من الآيات بتبليغ وحيه بالقول والعمل، والإعراض عن المشركين بمقابلة جحودهم وطعنهم في الوحي بالصبر والحلم، وبين أن من مقتضى سنته في البشر ألا يتفقوا على دين لاختلاف استعدادهم وتفاوتهم في درجات الفهم والفكر، وذكر أن وظيفة الرسل أن يكونوا مبلغين لا مسيطرين، وهادين لا جبارين، فينبغي ألا يضيقوا ذرعا بما يرون وما يشاهدون من الازدراء بهم والطعن في دينهم، فإن الله هو الذي منحهم هذه الحرية ولم يجبرهم على الإيمان ـ نهى المؤمنين هنا عن سبب آلهة المشركين، لأنهم إذا شتموا فربما غضبوا، وذكروا الله بما لا ينبغي من القول، ثم طلب بعضهم للآيات، لأن القرآن ليس من جنس المعجزات، ولو جاءهم بمعجزة ظاهرة لآمنوا به، وحلفوا على ذلك وأكدوه بكل يمين محرجة.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله الآية، قال : قالوا يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم أن يسبوا أوثانهم فيسبوا الله عدوا بغير علم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال :" لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش : انطلقوا فلندخلن على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب : كان يمنعه ويحميه فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة بن أبي معيط وعمروا بن العاص الأسود بن البختري، وبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب فقالوا : استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذن لهم فدخلوا فقالوا : يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه فقال له : هؤلاء قومك وبنو عمك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما يريدون ؟ " قالوا : نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، قال أبو طالب : قد أنصفك قومك فاقبل منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" أرأيتم لو أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم وأدت لكم الخراج ؟ " قال أبو جهل : وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي ؟ قال :" قولوا لا إله إلا الله " فأبوا واشمأزوا، قال أبو طالب : قل غيرها فإن قومك قد فزعوا منها، قال :" يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوني بها فوضعوها في يدي ما قلت غيرها " فغضبوا وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتم من يأمرك، فأنزل الله : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم .
الإيضاح : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة تقليب الأفئدة والأبصار : الطبع والختم عليها أي وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يدركونه، وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه، لكمال نبوها عنه وتمام إعراضهم عن درك حقيقته وتكون حالهم حينئذ كحالهم الأولى في عدم إيمانهم بما جاءهم أول مرة من الآيات.
ونظير الآية قوله : ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون١٤ لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون [ الحجر : ١٤ ١٥ ].
ومن لم يقنعه ما جاء به القرآن من الدلائل العقلية والبراهين العلمية لا يقنعه ما يراه بعينيه من الآيات الحسية، فله أن يدعي أن عينيه قد خدعتا أو أصيبتا بآفة، فهما لا تريان إلا صورا خيالية أو سحرا مفترى، وهذه سنة الأولين في مكابرة آيات الرسل.
ونذرهم في طغيانهم يعمهون لعمه : التردد في الأمر من الحيرة فيه، والطغيان : تجاوز الحد أي إنا ندعهم يتجاوزون الحد في الكفر والعصيان، ويترددون متحيرين فيما سمعوا ورأوا من الآيات، محدثين أنفسهم أهذا هو الحق المبين أم السحر الذي يخدع عيون الناظرين، وهل الأرجح إتباع الحق بعدما تبين، أو المكابرة والجدل كبرا وأنفة من الخضوع لمن يرونه دونهم.
وإنما أسنده الخالق إلى نفسه لبيان سننه الحكيمة في ربط المسببات بأسبابها، فرسوخهم في الطغيان الذي هو غاية الكفر والعصيان هو سبب تقليب القلوب والأبصار أي الختم عليها، فلا تفقه ولا تبصر.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، اللهم ثبت أفئدتنا وأبصارنا على الحق، واحفظنا من العمه والطغيان في كل أمر، واجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الغر الميامين وأصحابه المطهرين.
وكان الفراغ من مسودة هذا الجزء بمدينة حلوان من أرباض القاهرة في الليلة الثالثة من جمادى الأولى من سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية.
تفسير المراغي
المراغي