ﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( ١١٠ ) ( الأنعام : آية ١١٠ )
في هذه الآية الكريمة كلام كثير لعلماء التفسير، وأقوال كثيرة، أظهرها و أولاها بالصواب، وهو الحق- إن شاء الله – الذي دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله، وخير ما يفسر به القرآن القرآن : أن الكفار لما أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم بعض الآيات المقترحات ليؤمنن بها، وبين الله أنهم لا يؤمنون، كما هو واضح في قراءة أبي عمرو، وابن كثير، وشعبة في رواية :{ إنها إذا جاءت بخبر مؤكد ب ( إن ) بات أنهم لا يؤمنون، والسبب بين سبب عدم هذا الإيمان، كأنه قال : إني قلت : إنهم لا يؤمنون، والسبب في ذلك : انهم أول مرة قابلوا رسلي بالكفر، والعناد، والتعنت، فطمست على قلوبهم، وخذلتهم، وطبعت عليها.
وهذا معنى قوله " كما " هنا تعليلية : أي : لأنهم لم يؤمنوا بالقرآن أول مرة، فلأجل ما سبق منهم من العناد والتعنت طمسنا على قلوبهم، وقلبنا أبصارهم وقلوبهم، والله ( جل وعلا ) مقلب القلوب، وكل قلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها ويصرفها كيف شاء، وفي الحديث " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ". وعلى هذا فالمعنى المانع الذي يمنعهم من الإيمان لو جاءتهم الآيات المقترحات : أنهم بادروا بتكذيب الرسل أول مرة عندما جاءهم عنادا وتعنتا، وبسبب ذلك الكفر والعناد قلبنا أبصارهم فأزغناها عن الحق، وقلبنا أفئدتهم فأزغناها عن الحق، والدليل على هذا : أن المبادرة بالعمل السيئ سبب لطمس البصيرة، والطبع، والران على القلوب كما بينه الله في آيات كثيرة، كقوله : في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ( البقرة : آية ١٠ ) وكقوله : بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ( المصطفين : آية ١٤ ) وكقوله جل وعلا : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ( الصف : آية ٥ ) فقوله : كما لم يؤمنوا به أول مرة في مكان ( زاغوا ) في هذه الآية، وقوله أزاغ الله قلوبهم في مكان قوله : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ، لأن المعاصي والكفر – والعياذ بالله- ذنبا. نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا كان عاقلا ذكيا من الذين قال الله فيهم : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ٢٠١ ( الأعراف : آية ٢٠١ ) وأناب إلى الله وتاب إليه زال ذلك السواد، وصار قلبه صقيلا، لأن القلب كالزجاجة، ونور الإيمان الذي يبصر به الحق والباطل في داخله كأنه النور وسط الزجاجة، والزجاجة إذا تلطخت بالأوساخ انكسف النور داخلها، وإذا كانت صقيلة نظيفه شع النور.
أما ترى الذبال في المصباح *** إذا صفا يرضيك في استصباح
وإن يكن بوسخ ملطخا *** كسف نوره لذلك الطخا
فإذا أذنب العبد ذنبا صارت واسخة سوداء على قلبه، فإذا بادر إلى الإنابة والتوبة غسلها، فبقي القلب صقيلا نظيفا، فشع نور الإيمان فيه، كالنور في الزجاجة الصقيلة، فإذا كان المسكين مغفلا جاهلا، وزاد في الذنوب، لم يزل يزيد في الذنوب، والسواد يزداد حتى يعلو جميع القلب، فيسود جميعه، فيبقى النور لا أثر له، وعلامة هذا من طمس البصائر – والعياذ بالله- أن ترى من وقع به هذا الاسوداد القلبي، والران المستولي على قلبه، تراه يرتكب فظائع الذنوب وهو يضحك في فرح ولهو، لأن البصيرة والنور الذي يرى به شدة ضرر هذا انطمس، فلا يرى ضررا، وتراه تفوته الصلاوات والرغائب العظام في الدين وهو فرح مسرور ! ! لا يرى هذا الحق حقا، ولا هذا الباطل باطلا، لأن البصيرة التي يرى بها الحق حقا والباطل باطلا، والنافع نافعا والضار ضارا، إذا اسودت القلوب انطمس نورها، فلا يبصر بها شيئا، فكما أن الكفار بادروا إلى تكذيب الأنبياء، وكانوا قبل ذلك قد يكونون على فطرة، وقد يكونون معذورين، اسودت قلوبهم فطبع الله عليها، وقلبها عن الحق – والعياذ بالله-، كما قال جل وعلا : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ( البقرة : آية ٧ ) وكما قال : إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ( الكهف : آية ٥٨ ) وقال هنا : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ( الأنعام : آية ١١٠ ) وذلك جزاء وفاق، وعدل، لأن المعاصي ترين على القلوب، وتطمسها حتى لا تبصر حقا.
وهذا هو الأظهر في معنى قوله : ونقلب أفئدتهم حتى تزيغ عن إدراك الحق، ونقلب أبصارهم حتى تزيغ عن إدراك الحق كما لم يؤمنوا لأجل أنهم لم يؤمنوا بهذا القرآن أول مرة جاءهم به الرسول، فكان كفرهم وزيغهم الأول سببا للطبع على قلوبهم وتقليب قلوبهم وأبصارهم عن الحق. كقوله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ( الصف : آية ٥ ) بل طبع الله عليها بكفرهم ( النساء : آية ١٥٥ ) فالباء سببية، وكقوله : فأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا على رجسهم وماتوا وهم كافرون١٢٥ ( التوبة : آية ١٢٥ ) بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ( المطففين : آية ١٤ ) وهذا معنى قوله ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ( الأنعام : آية ١١٠ ) ف ( كما ) من حروف التعليل، ومعنى نقلبها : لأجل أنهم لم يؤمنوا به أول مرة، فذلك الكفر يجر إلى الخذلان، وطمس البصيرة، وتقليب القلوب والأبصار، ولما زاغوا أزاغ الله قلوبهم.
وقوله " ونذرهم " معناه : نتركهم.
وقوله : " في طغيانهم " : الطغيان في لغة العرب مجاوزة : الحد، ومنه قوله : " إنا لما طغا الماء " " الحاقة : آية ١١ ) أي : جاوز الحدود التي يبلغها الماء العادي. وطغيان الإنسان : مجاوزته الحدود، ومجاوزتهم الحدود ككفرهم بربهم، وجعلهم له الشركاء والأولاد.
وقوله : " يعمهون " المضارع جملته حالية، ومعلوم أن جملة المضارع لا تقترن بالواو، وأن الرابط فيها ضمير، هذا معروف.
والعمه في لغة العرب : هو عمى القلب خاصة، العمى :- مقصور بالألف- يطلق على عمى البصر، وعلى عمى البصيرة، كما يأتي في قوله : فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ( الحج : آية ٤٦ ) أما العمه – بالهاء – فلا يطلق إلا على عمى البصيرة خاصة، ومن عميت بصيرته لم ير حقا من باطل، ولم يميز حسنا من قبيح، ولا نافعا من ضار والعياذ بالله جل وعلا.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير