ﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ

قوله : وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم معطوف على لا يؤمنون قيل والمعنى : تقليب أفئدتهم وأبصارهم يوم القيامة على لهب النار، وحرّ الجمر كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ في الدنيا وَنَذَرُهُمْ في الدنيا، أي نمهلهم ولا نعاقبهم فعلى هذا بعض الآية في الآخرة، وبعضها في الدنيا. وقيل المعنى : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الدنيا، أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية، كما حلنا بينهم وبين ما دعوتهم إليه أوّل مرة عند ظهور المعجزة. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير : أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم، ونذرهم في طغيانهم يعمهون، أي يتحيرون، والكاف في كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ نعت مصدر محذوف، و«ما » مصدرية، و يَعْمَهُونَ في محل نصب على الحال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : نزلت وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم في قريش وَمَا يُشْعِرُكُمْ يا أيها المسلمون أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ . وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، قال : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قريشاً فقالوا : يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها البحر، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن ثمود لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدّقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«أي شيء تحبون أن آتيكم به ؟» قالوا : تجعل لنا الصفا ذهباً، قال :«فإن فعلت تصدقوني ؟» قالوا : نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل فقال له : إن شئت أصبح ذهباً، فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال :«بل يتوب تائبهم»، فأنزل الله : وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم إلى قوله : يَجْهَلُونَ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم قال : لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء وردّت عن كل أمر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عنه وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً قال : معاينة مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ أي : أهل الشقاء إِلاَّ أَن يَشَاء الله أي أهل السعادة والذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً أي فعاينوا ذلك معاينة. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال : أفواجاً قبيلاً.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن قال : إن للجنّ شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، فيلتقي شيطان الإنس وشيطان الجنّ، فيقول هذا لهذا : أضلله بكذا، وأضلله بكذا، فهو : يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً وقال ابن عباس : الجنّ هم الجانّ وليسوا شياطين، والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس والجنّ يموتون، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن مسعود قال : الكهنة هم شياطين الإنس. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قال : شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، فإن الله يقول : وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ .
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال : من الإنس شياطين، ومن الجن شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، زخرف القول قال : يحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهم. وقد أخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يا أبا ذر تعوّذ بالله من شرّ شياطين الجن والإنس»، قال : يا نبيّ الله وهل للإنس شياطين ؟ قال :«نعم، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً» وأخرج أحمد، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن أبي ذرّ مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ولتصغي لتميل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه ولتصغي تزيغ وَلِيَقْتَرِفُواْ يكتسبوا.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية