ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃ

فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ١١٨ هذه الآيات كلها إلى قوله : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ( الأنعام : الآيتان ١١٨-١٢٠ ) نزلت لما قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم : كيف تأكلون ما قتلتموه بأيديكم، ولا تأكلون ما قتله الله ؟ يعنون الميتة. ذبيحتكم التي قتلتموها تأكلونها، وتقولون : هي طيبة حلال مستلذة، والتي قتلها الله تقولون : هي ميتة جيفة قذرة حرام، فأنتم إذن أحسن من الله ! فجاءت هذه الآيات ردا عليهم. فقال لهم الله ( جل وعلا ) : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( الأنعام : آية ١١٨ )لأن المسلمين إذا أرادوا أن يذبحوا سموا الله ( جل وعلا ) على ذبائحهم عند الذبح، وكذلك إذا أرادوا أن يذبحوا سموا عند ذلك، وإذا أرادوا أن يرسلوا جوارحهم كالكلاب، والصقور، والبازة، أرسلوها وسموا الله على الصيد عند إرسالها، ولذا قال لهم الله : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه .
قوله : فكلوا أصله ( اؤكلوا ) لأنه مضارع ( أكل ) ومعروفة في لغة العرب ثلاثة أفعال من فعل الأمر هي الأمر من ( أخذ )، و( أمر )، و( أكل ) كلها بجوز حذف الهمزة في الأمر، فتقول في( أخذ ) في أمرها :( خذ )، وفي أمر ( أكل ) : كل، وفي أمر ( أمر ) مر. أما ( أمر ) إذا كان قبلها حرف عطف فالأجود ردها إلى الأصل، كقوله : وأمر أهلك بالصلواة ( طه : آية ١٣٢ ) واما إذا كان ليس قبلها حرف عطف فإن الهمزة تحذف، كقوله : مره فليراجعها ، " مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم لعشر ". أما ( أخذ ) و( أكل ) فالأجود فيهما حذف الهمزة في الأمر، تقول : " خذ " ولا تقول : " أخذ " وتقول : " كل " ولا تقول :" ء أكل " وردها إلى أصلهما لغة قليلة.
والأمر في قوله هنا : فكلوا أمر إباحة، وقد تقرر في فن الأصول أن من صيغ ( افعل ) التي تأتي لها : الإباحة. يعني : فكلوا. والفاء هنا مسببة عما قبلها، إن زعموا أن الميتة ذبيحة الله، وأنها خير من ذبيحتكم، ومما ذبحه الكفار وذكروا عليه اسم الأصنام. كما يأتي في قوله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ( الأنعام : آية ١٢١ ) فإنه قابل بين الأمر والنهي، أمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( الأنعام : آية ١١٨ ) ونهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه في قوله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه
ومعنى ذكر اسم الله عليه : هو أن يسمى على الذبيحة عند الذكاة، أو على العقيرة عند الاصطياد، أو على الجارح إذا أرسل إلى الصيد، كل هذا يسمى الله عليه ويؤكل منه، وسيأتي ذلك في قوله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وسنتكلم عليه هناك، وحاصله أن للعلماء فيه ثلاثة مذاهب :
أحدها : أن كل ما ذبحه مسلم ولم يذكر اسم الله عليه، أو صاده ولم يذكر اسم الله عليه، أو أرسل عليه جارحه من كلبه أو صقره أو بازه ولم يسم الله عليه، أنه لا يؤكل، سواء ترك التسمية عمدا أو نسيانا. وهذا قال به طائفة قليلة في الذبيحة، وقال به جماعة في الصيد، وهو رواية قوية عن أحمد بن حنبل. وجمهور العلماء على أنه إن ترك التسمية نسيانا فالذبيحة تؤكل، لأنه ما تركها إلا نسيانا، والنسيان معفو عنه، وإن تركها عمدا فلا تؤكل عند جماهير العلماء، خلافا للإمام الشافعي وعامة أصحابه في مشهور مذهبه أنه إن ترك التسمية وهو مسلم أكلت ذبيحته مطلقا، سواء تركها عمدا أو نسيانا، لأن الشافعي يفسر قوله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه بما أهل به لغير الله، أما المسلم عنده فذبيحته حلال سواء سمى الله أو لم يسم، سواء تركها عمدا أو نسيانا. وسيأتي تفاصيل هذا في قوله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه .
وقوله هنا : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه أي : مما ذكيتم وذكرتم اسم الله عليه. والآية على التحقيق في الذكاة، خلافا لبعض العلماء القائل : هي عامة. أي : كل طعام : من خبز، أو لحم، أو غيره، أو فاكهة تسمي الله عليه وأن تأكل منه. وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يأكل من شيء كائنا ما كان إلا إذا سمى الله عليه. والتحقيق أنها في الذكاة كما يقتضيه السياق. وهذا معنى قوله : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين١١٧ هذه( إن )الشرطية هي كثيرة في القرآن وفي السنة، وفيها إشكال معروف كثير، لأنهم يؤمنون قطعا. وقد تقرر في فن المعاني : أن تعليق فعل الشرط بجزاء الشرط بأداة الشرط التي هي ( إن ) لا تكون إلا فيما لا يتحقق وقوع الشرط فيه، فلو قلت لعبدك وهو عارف باللغة العربية :" إن جاءك زيد فأعطه درهما ". هو يعلم أن معنى كلامك : أن زيدا قد يأتي وقد لا يأتي، لأن ( إن ) لا تدل على تحقيق وقوع الشرط، بل قد يقع الشرط فيقع الجزاء، وقد لا يقع الشرط فلا يقع الجزاء. وقوله : إن كنتم بآياته مؤمنين يفهم من " إن " الشرطية أنهم قد يكونون مؤمنين وقد يكونون غير مؤمنين، وهم مؤمنون حقا قطعا، فمن هذا جاء الإشكال في ( إن ) هذه، وهذا كثير في القرآن، وكقوله للمؤمنين : إن كنتم مؤمنين وكقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيارة القبور :" السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " وهم لاحقون بهم قطعا يقينا. وكقوله جل وعلا : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ( الفتح : آية ٢٧ ) وهم دخلوه قطعا بلا شك، فما وجه التعليق بأداة الشرط التي هي ( إن ) التي تدل على أن جزاء الشرط قد يقع، وقد لا يقع، مع أنها أمور محققة ؟ هذا وجه الإشكال. وهذه مسألة عربية معروفة، وهي من مساءل العربية الكبار المشهورة التي اختلف فيها علماء البصرة وعلماء الكوفة من النحاة، فذهب عامة علماء الكوفة إلى أن ( إن ) في جميع هذه الآيات بمعنى ( إذ ) التعليلية، قالوا : وتأتي ( إن ) بمعنى ( إذ ) التعليلية، وعليه فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم أي : لأجل كونكم مؤمنين بآياتي. قال الكوفيون : ومن هذا المعنى فذكر إن نفعت الذكرى٩ ( الأعلى : آية ٩ ) قالوا معناها : إذ نفعت الذكرى ذكر، لأجل أن الذكرى تنفع. قالوا : وهذا أسلوب عربي معروف. واستدلوا من أشعار العرب بقول الفرزدق- وهو عربي فصيح قح :

أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم
قالوا :( إن ) هنا بمعنى ( إذ )، أتغضب إذ حزت أذنا قتيبة. هذا قول البصريين، ولذا كله أجروه على سنن واحد. " وإنا إن شاء الله } قالوا : وإنا لاحقون إن شاء الله ذلك. لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ( الفتح : آية ٢٧ )أي : إن شاء الله ذلك. وهذا قول الكوفيين. وأما البصريو ن ففصلوا بين الأمرين، قالوا : أما قوله : إن كنتم مؤمنين فهي أداة شرط جيء بها للتهييج والإلهاب، لأن من عادة العرب أن يهيجوا المخاطب، تقول للرجل :" إن كنت ابن الكرام، ابن فلان وفلان، فافعل لي كذا ". وليس مقصودك تعليق الشرط بالجزاء، بل مقصودك تهييجه وبعثه للفعل، وهذا أسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول أحد أولاد الخنساء الشاعرة :
لست لخنساء ولا للأخزم ولا لعمرو ذي السناء الأقدم
إن لم أرد في الجيش جيش الأعجمي ماض على الهول خضم خضرم
يقول : لست لأبي ولا لأمي إن لم أرد في الجيش. ليس يعني التعليق، وإنما يعني تحريض نفسه.
قالوا : قوله : وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وقوله : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ( الفتح : آية ٢٧ ) قال علماء البصرة : المراد بالتقييد بالمشيئة في هذا الأمر المحقق : هو تعليم الخلق ألا يتكلموا عن أمر مستقبل إلا معلقين بمشيئة الله. وإنما جيء بالأمر المحقق لتوكيد ذلك، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يتحدث عن مستقبل أنه سيقع أو سيفعل إلا إذا قيد بمشيئة الله، كما قال الله لنبيه : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا٢٣ إلا أن شاء الله ( الكهف : الآيتان ٢٣، ٢٤ ) وهذا معنى قوله : إن كنتم بآياته مؤمنين .
و( الآيتان )جمع تصحيح مؤنث، مفرد ( آية )، وقد بينا أن الآية أصلها عند المحققين من علماء التصريف أن أصلها ( أيية ) اجتمع فيها موجبا إعلال، فوقع الإعلال في الحرف الأول، على خلاف القاعدة الكثيرة المطردة، وهو جائز، فلو جرى على الأغلب لكان الإعلال في الحرف الأخير. وقيل ( أياه ) ولكن الإعلال وقع هنا في الحرف الأول، فصار ( آية ) ووزنه بالميزان الصرفي :( فعلة ) وحروفه : فاؤه همزة، وعينه ولامه كلاهما ياء. هذا الأصل وزنها وصرفها.
وهي في لغة العرب – قد بينا مرارا - أن( الآية ) في لغة العرب تطلق إطلاقين، وذكرنا هذا كثيرا في هذه الدروس.
أما الإطلاق الأول المشهور : فهو إطلاق الآية بمعنى ( العلامة ). تقول العرب :" الآية بيني وبينك ". أي : العلامة بيني وبينك كذا. ومنه قوله تعالى : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ( البقرة : آية ٢٤٨ ) أي : علامة ملكه أن يأتيكم التابوت. وقد جاء في شعر نابغة ذبيان – وهو عربي جاهلي- تفسير الآيات بالعلامات حيث قال :
توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع
ثم بين أن مراده بالآيات :( علامات الدار ) فقال :
رماد ككحل العين لأيا أبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع
إطلاق الآية الآخر في لغة العرب : تطلق العرب الآية على ( الجماعة ) وهو إطلاق عربي مشهور، يقولون : " جاء القوم بآياتهم ". أي : بجماعاتهم، ومنه بهذا المعنى : قول برج بن مسهر الطائي :
خرجنا من النقبين لا حي مثلنا بآيتنا نزجي اللقاح المطافيلا
أي : بجماعتنا.
إذا عرفتم أن ( الآية ) تطلق في لغة العرب : إطلاقين، تطلق بمعنى ( العلامة )، وتطلق بمعنى ( الجماعة )، فاعلموا أن ( الآية ) في القرآن تطلق أيضا إطلاقين :
تطلق على الآية الكونية القدرية، وهي : ما نصبه الله كونا وقدرا دالا على ربوبيته، وأنه المعبود وحده، وهي بهذا المعنى من الآية بمعنى ( العلامة ) قولا واحدا. كقوله : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ١٩٠ ( آل عمران : آية ١٩٠ )أي : علامات واضحات لأصحاب العقول على أن لهذا الكون مدبرا هو رب كل شيء وهو المعبود وحده جل وعلا.
الإطلاق الثاني في القرآن : إطلاق الآية بمعنى الآية الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم، كقوله : رسول يتلوا عليكم آيات الله ( الطلاق : آية ١١ ) فهي بهذا من الآية الشرعية الدينية قيل : من الآية بمعنى :( الجماعة )، لأن الآية جمعت كلمات من القرآن اشتملت على بعض معانيه ومقاصده.
وقال بعض العلماء : الآية الشرعية الدينية أيضا من الآية بمعنى ( العلامة )، لأنها علامات على صدق من جاء بها، لما فيها من الإعجاز، ولأن لها علامات : مبادىء، ومقاطع تدل على انتهاء هذا السورة وابتداء هذه.
وهذا معنى قوله : إن كنتم بآياته مؤمنين .
والإيمان في لغة العرب : التصديق، ومنه قوله : وما أنت بمؤمن لنا ( يوسف : آية ١٧ ).
والإيمان في اصطلاح الشرع في مذهب أهل السنة والجماعة : هو التصديق الكامل من جميع الجهات، أعني : تصديق القلب بالاعتقاد، واللسان بالاقرار، والجوارح بالعمل، ولذا ثبت في الصحيح أن : أن الإيمان بضع وستون وفي بعض الروايات : " بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق " فسمى إماطة الأذى عن الطريق ( إيمانا ). وفي الحديث الصحيح :" من صام رمضان إيمانا واحتسابا " فسمى الص

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير