وربك الغني ذو الرحمة قوله : وربك خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأضاف لفظة الرب إليه إضافة تشريف وتكريم. والرب في لغة العرب : يطلق على عشرة معان : منها : السيد الذي يسوس الناس ويدبر شؤونها، وكل من يسوس بلدا ويدبر شؤونه تقول العرب : هنا ربه. وتقول العرب : فلان رب بني فلان. أي : سيدهم الذي يسوسهم ويدبر شؤونهم. والعرب تقول : ربه يربه. إدا أصلح شؤونه، وساسه، وأصلح أموره. فالفاعل : رب، والمفعول : مربوب. ومن إطلاق العرب الرب على الذي يسوس الأمور ويدبرها : قول علقمة بن عبدة التميمي، قال لرجل ساد قومه :
وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي *** وقبلك ربتني فضعت ربوب
أي : سادتني قبلك سادة وساسة، وضيعوني، والآن أفضت إليك ربابتي، فصرت ربي الذي يدبر شؤوني، فلا تضيعني، وتعرفون في السيرة، أن صفوان بن أمية بن خلف كان عدوا للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي قتل يوم بدر أباه أمية بن خلف، وقتل أخاه علي بن أمية بن خلف يوم بدر، وقتل عمه أبي بن خلف يوم أحد، وهو من أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فتح النبي مكة- صلى الله عليه وسلم- وطلب منه إعارة السلاح، المشهورة الثابتة في الحديث، طلب صفوان النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه مهلة ينظر فيها في أمره، ويتدبر فيما يفعل، وكان في تلك المهلة أن غزى النبي صلى الله عليه وسلم هوازن- غزوة حنين – المذكورة في القرآن، وكانت الرياسة في ذلك الوقت صارت من دريد بن الصمة إلى مالك بن عوف النصري، وكان دريد شائبا أعمى، وكانت فكرته : أن هوازن يفعلون مثل ما فعله ثقيف، يبقون في ديارهم، ويخرجون النبال والرماح من كوى الحصون، ويحاصرهم القوم فيرامونهم وهم في مقرهم. وأبى عن هذه الفكرة مالك بن عوف النصري سيد هوازن في ذلك اليوم، وقال : إن لم تطيعوني لأتكئن على سيفي ( في قصة حنين المشهورة ). فخرج بهواز٤ن، بنسائهم، وأطفالهم وأموالهم، حتى نزل بهم في مضيق وادي حنين، في طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وكان دريد أعمى، فقال : ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير ؟ يظن أن الخارجين جيش فقط. فقيل له : خارج مالك بن عوف النصري بالمال، يقول : إن الرجل إذا كان معه أهله وماله وزوجاته لا يفر. فحرك بشفتيه استهزاء برأيه، وقال : إن الرجل إذا انتفخ سحره –أي : رأته – من الخوف لا يلوي على مال ولا ولد. ونزلوا مضيق حنين، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح في غلس من ظلا م الليل، ثم انحدر مع وادي حنين هو وأصحابه، فلم يعلموا بشيء حتى أتوا هوازن، وهم أمامهم في مضيق الوادي، فصبوا عليهم النبال والسهام كأنها مطر تزعزعه الريح، فوقع ما وقع، وقصه الله في سورة براءة : ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ( التوبة : الآية ٢٥ ) وفي ذلك الوقت لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أحد عشر رجلا، ونزل عن بغلته ( دلدل )، بغلة لا تصلح لكر ولا لفر، وهو يقول :
" أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب "
والشاهد : أنه لما وقع ما وقع بالمسلمين في أول وهلة، وصفوان بن أمية حاضر، ومعه رجل يرافقه، قال ذلك الرجل : بطل الآن سحر محمد ! يعني : أن هوازن غلبوه، وأن قومه انهزموا، وأن ما كان عنده سحر، وأنه بطل. فقال له صفوان – وهو محل الشاهد- : اسكت فض فوك، لئن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن ! ومعناه : أن يسودني ويسوسني قرشي، ابن عمي، أحب إلي من أن يسوسني واحد من ثقيف، أهل الطائف. فهذا يبين أن معنى ( ربه يربه ) أي : ساده وساسه ودبر أموره، وهو بالنسبة إلى الله ( جل وعلا ) : السيد الذي يدبر شؤون الناس، ويسوس أمورها، فلا يستغني عنه العالم طرفة عين.
وقوله : الغني معناه : هو الذي عنده الغنى، والله ( جل وعلا ) غني بذاته غنى مطلق، لا يحتاج إلى خلقه، وخلقه محتاجون إليه. والنكتة في الآية : أن الله بما مضى أمر ونهى، وبين ما يدخل الجنة وما يدخل النار، ثم نبه خلقه، فكأنه يقول : يا عبادي : لا تظنوا أنني آمركم وأنهاكم لأجل أن أجر بذلك لنفسي نفعا أو أصرف عنها ضرا، لا، أنا الغني بذاتي الغنى المطلق، وإنما النفع لكم لا لي، كما قال : يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ١٥ ( فاطر : الآية ١٥ ) وفي الحديث القدسي، الثابت في صحيح مسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه، أن الله ( جل وعلا ) يقول :" يا عبادي لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا " الحديث. فهو ( جل وعلا ) لا ينتفع بطاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي : إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ( إبراهيم : الآية ٨ ) فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد ( التغابن : الآية٦ ) ولذا قال هنا : وربك الغني الذي لا تنفعه طاعة من أطاع منكم، ولا تضره معصية من عصى منكم، وهو غني بذاته غنى مطلق.
ذو الرحمة : هو الرحيم الذي يرحمكم – إن اتبعتم أوامره- يوم القيامة، كما قال تعالى : وكان بالمؤمنين رحيما ( الأحزاب : الآية ٤٣ ) أي : يدعوكم إلى طاعته – وهو رحيم- ليرحمكم ويدخلكم جنته.
وقد قدمنا أن ( الرحمن ) هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، و( الرحيم ) هو الذي يرحم عباده المؤمنين في الآخرة
ومن رحمانيته ( جل وعلا ) : لطفه بالطير الصافات، كما قال : أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن ( الملك : الآية ١٩ ) أي : ومن رحمانيته : لطفه بالطير صافات وقابضات في جو السماء، وإمساكه لها. وهذا معنى قوله : وربك الغني ذو الرحمة يعني : ومن شدة غناه عنكم وعن أعمالكم، وعدم حاجته إليكم، ولا إلى طاعتكم، ولا إلى معصيتكم، فهو في قدرته أن يذهبكم جميعا ويجعلكم أثرا بعد عين، ويأتي بقوم آخرين غيركم، كما جاء بكم أنتم من ذرية قوم آخرين، وهذا معنى قوله : وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء .
ويستخلف من بعدكم : أي : يجعل خلفاء في الأرض بعدكم خلقا منكم ما يشاء من خلقه. وهذا المعنى تكرر في القرآن، يبين الله للناس أنه قادر على أن يزيلهم عن بكرة أبيهم، ويستبدل قوما غيرهم، وقد يكون المستبدلون خيرا منكم أيها المخاطبون، كقوله في سورة النساء : إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا١٣٣ وقوله ( جل وعلا ) : ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا ( هود : الآية ٥٧ ) إذا استخلف غيركم فما عليه في ذلك من ضرر، وقوله في سورة فاطر : يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد١٥ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد١٦ وما ذلك على الله بعزيز ١٧ ( فاطر : الآيات١٥-١٧ ) أي : ليس فيه صعوبة عليه ولا مشقة، بل هو هين عليه يسير. وقوله في أخريات سورة القتال – سورة محمد- حيث قال فيها : والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ( محمد : الآية ٣٨ ) وقد قال في الواقعة : نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ٦٠ على أن نبدل أمثالكم ( الواقعة : الآيتان ٦٠-٦١ ) وقد قال في الإنسان : نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا٢٨ ( الإنسان : الآية ٢٨ ) يعني : فذهابكم جميعا والإتيان ببدل منكم، سهل علي، خفيف عندي، لا يضرني شيئا، فأنتم إنما تنتفعون بطاعتكم وتتضررون بمعصيتكم، وأنا الغني بذاتي عنكم، القادر على أن أذهبكم، وآتي بغيركم، وقوله : إن يشأ يذهبكم المراد هنا : الإدهاب بوقت واحد، بأن يدهبهم جميعا، وليس المراد أن يذهبهم تدريجا بالموت، كما هي عادته في القرون أن ينفي قرنا تدريجا بالموت، ثم يأتي بعده بقرن آخر تدريجا بالولادة، لأن هذا هو الواقع، فلو كان هو المراد لما قال : إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء لأنه مذهبهم قطعا ومستخلف بعدهم ما يشاء على التدريج، هذا واقع قطعا.
وقوله : ويستخلف من بعدكم ما يشاء عبر ب( ما ) هنا للإبهام في الشيء، وإن كان قد يقع على العاقل، لأن المقرر في علم النحو، أن الشيء إذا أبهمت صفاته – أي : كان المراد صفاته مثلا – أنه يعبر عنه ب( ما ). وهذا معنى قوله : ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين كما أنه كان في الأرض قبلكم ناس غيركم، قال بعضهم : هم الذين كانوا في سفينة نوح، وقال بعضهم : يعم ما قبلهم من القرون. كان قبلكم ناس أهل ثروة وأهل غنى في الدنيا، وأهل تمدن ومكانات - أذهبناهم جميعا، وجئنا بكم، وجعلناكم خلفاء في الأرض بعدهم، كما أذهبنا أولئك وجعلناكم خلفا بعدهم، فنحن قادرون أيضا على أن نفعل بكم مثل ذلك، وهذا معنى قوله : ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين .
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير