ويقول سبحانه من بعد ذلك :
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ ( ١٣٣ ) :
وهنا يحننا الله سبحانه وتعالى إلى عبادته، وإلى تكاليفه ؛ يحننا إلى فضيلة الطاعة، وكل ذلك لمصلحتنا وهذا مطلق الربوبية الرحيمة، فيحسن لنا الجزاء، ويفخم لنا فيه لنعمل لصالحنا نحن ؛ لأن كل أعمالنا كما قلنا لا تزيد في ملك الله قدر جناح بعوضة، وكل معصياتنا لا تنتقص من ملك الله قدر جناح بعوضة ؛ لأن الله بكل صفات الكمال خلقنا، ولم نزده نحن شيئا. لقد أوجد الدنيا من عدم، وفرق بين الصفة القائمة بذات الله، وإيجاد متعلق الصفة. فالله خالق ؛ والله رحمن، والله رحيم، والله قهار، وسبحانه رحمن ورحيم وقهار وخالق حتى قبل أن يبرز ويظهر ما يخلقه ؛ لأنه بصفة الخالق فيه خلق، وهو رزاق قبل أن يخلق المرزوق، فالصفة موجودة فيه قائمة به، وبهذه الصفة رزاق قبل أن يخلق المرزوق، فالصفة وجودة فيه قائمة به، وبهذه الصفة رزق، وبوجود هذه الصفات فيه يقول للشيء كن فيكون، وله هذا الكون كله، وهو غني عن العباد وله كل الملك، وكذلك خلق التوبة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول :
" لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة " (١)
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ( ١٣٣ ) [ سورة الأنعام ]
إذن فالخلق مستمر الإيجاد من العدميات وهو دليل على أن صفة الخالقية موجودة.
وما آدم في منطق العقل واحد*** لكنه عند القياس أو آدم
فالكون كله من أول آدم موجود، وكل الكون المسخر لآدم كخليفة في الأرض خاضع لله، فإن شاء أذهب الخلق وأتى بخلق جديد.
سقط على بعيره: أي صادفه وعثر عليه من غير قصد فظفر به..
تفسير الشعراوي
الشعراوي