ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

يقول الله جل وعلا : إن ما تعودون لآت وما أنتم بمعجزين١٣٤ ( الأنعام : الآية١٣٤ ).
( ما ) هنا موصولة، وعائد الصلة محذوف، والتقدير : إن الذي توعدونه لآت لا محالة. اعلموا أولا : أن توعدون هنا يحتمل أن يكون من الوعد، ويحتمل أن يكون من الإيعاد، والوعد : هو الوعد بالخير، والإيعاد : هو الوعد بالشر، كما قال الشاعر :

وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فقوله : إن ما توعدون بناء على ظانه من الوعد، فالله ( جل وعلا ) لا يخلف وعده أبدا، لأن الله يقول : إن الله لا يخلف الميعاد ( آل عمران : الآية٩ ) اما إخلاف الوعيد ففيه تفصيل غلط فيه جماعات من العلماء، حتى كان من يقول من العلماء بفناء النار، أن الله لو صرح بأنها [ لا ] تفنى ( في الأصل : " بأنها تفنى " وهو سبق لسان ) أن ذلك وعيد، وإخلاف الوعيد من المدح لا من الذم، إذ إن من أوعدك بشر ثم عفا عنك وأعطاك الخير فهذا من الجميل، وإنما المذموم القبيح هو إخلاف الوعد بالخير.
والتحقيق في هذا المقام : أن الله ( جل وعلا ) إن وعد بخير فإنه لا يخلف وعده أبدا، لأن الله يقول : إن الله لا يخلف الميعاد وإن أوعد بشر فإيعاده بالشر له حالتان :
تارة يكون وعيدا للكفار. وهذا لا يبدل بحال، ويدل عليه قوله هنا : إن ما توعدون لآت ، لأن الكلام في الكفار الذين يهددهم الله. أي : ما يوعدكم الله من العذاب واقع لا محالة، يدل عليه قوله : وما أنتم بمعجزين كما سنفسره، وقد صرح الله في آيات من كتابه أن وعيده للكفار لا يخلف حيث قال في سورة ( ق ) : قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد٢٨ ما يبدل القول لدي ( ق : الآيتان ٢٨-٢٩ ) والمراد به على التحقيق : ما وعد الكفار به من عذاب النار. وقال جل وعلا : كل كذب الرسل فحق وعيد ( ق : الآية ١٤ ) حق : معناه ثبت ووجب، وما قال الله فيه : إنه ثبت ووجب لا يمكن أن يختلف، و( الفاء )في قوله : كل كذب الرسل فحق وعيد من حروف التعليل، وقد تقرر في الأصول في ( مسلك النص )وفي ( مسلك الإيماء والتنبيه ) أن ( الفاء ) من حروف التعليل كما تقول :" سها فسجد "، أي : لعلة سهوه. و " سرق فقطعت يده " أي : لعلة سرقته. و " أساء فأدب ". أي : لإساءته. كل كذب الرسل فحق وعيد أي : وجب الوعيد لأجل تكذيب الرسل، ونظيره قوله في ( ص ) : إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب١٤ ( ص : الآية ١٤ ).
أما الوعيد الذي يجوز أن يخلف : هو وعيد الله لعصاة المسلمين، فإن الله أوعد مرتكبي الذنوب الكبائر بأنه يعذبهم، وهذا الوعيد إن شاء الله أنفذه، وإن شاء الله عفا عن أهله. وصرح الله بهذا في قوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( النساء : الآية ٤٨ ) فجعل غير الشرك من الكبائر تحت مشيئته، إن شاء عفا، وإن شاء عذب. هذا هو تحقيق المقام في الوعد والوعيد.
قوله هنا : إن ما توعدون لآت أي : ما يوعد به من ثواب وخير فهو آت لا محالة، وما يوعد به الكفار المكذبون للرسل من العذاب والتنكيل فهو آت لا محالة.
ثم قال : وما أنتم بمعجزين المعجزون : جمع تصحيح للمعجز، والمعجز : اسم فاعل للإعجاز، ومفعول اسم الفاعل هنا محذوف. والمعنى : وما أنتم بمعجزين ربكم. أي : لستم بفائتيه حتى تعجزوه فيعجز عن التمكن منكم وتعذيبكم، بل أنتم في قبضة يده، وتحت قهره وسلطانه، لا تعجزونه ولا تفوتونه، بل أمره واقع فيكم، نافذ فيكم، ليس لكم مفر ولا ملجأ، ولا يمكن أن تعجزوا ربكم وتفوتوه حتى لا يعذبكم. فعرف من هذا أن المفعول محذوف، العرب تقول :" طلب فلانا فأعجزه ". أي : فاته ولم يقدر على إدراكه، والله يقول : وما أنتم بمعجزين لا تعجزونني فتسبقونني حتى لا أنفذ فيكم ما أوعدتكم به، بل أنتم تحت قهري وسلطاني، وفي قبضة يدي، وسأنفذ فيكم ما أشاء من وعيدي الذي قلت : إن ما توعدون لآت وهذا معنى قوله : إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين١٣٤ .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير