ثم أقام الحجة على أهل الشرك، فقال :
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
قلت : فاطر : نعت لله، ومعناه : خالق ومبدع. قال ابن عباس رضي الله عنه :( ما كُنت أعرف معنى فاطر، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما : أنا فطَرتها بيدي ). وجملة : وهو يطعم : حال، وقُرِئ بعكس الأول ؛ ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على أن ضمير هو راجع لغير الله، وببنائهما للفاعل ؛ على معنى يُطعِم تارة، ويمنع أخرى، كقوله : يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ [ البَقَرَة : ٢٤٥ ].
يقول الحقّ جلّ جلاله : قل لهم يا محمد : أغير الله أتخذ وليًّا أي : معبودًا أُواليه بالعبادة والمحبة، وأُشركه مع الله الذي أبدع السماوات والأرض، وهو الغني عما سواه، الصَّمَداني، يُطعِمُ عباده ولا يطعَم ولا يحتاج إلى من يطعمه، فهو يَرزُق ولا يُرزق، وتخصيص الطعام ؛ لشدة الحاجة إليه. قُل لهم : إني أُمرتُ أن أكون أول من أسلم ، وأنقاد بكُلّيتي إلى هذا الإله الحقيقي، العني بالإطلاق، وأرفضُ كل ما سواه، ممن عمّه الفقرُ ابتداءً ودوامًا. فكان عليه الصلاة والسلام هو أولَ سابق إلى الدين. ثم قيل له : ولا تكونن من المشركين ؛ تنفيرًا لغيره من الشرك، وإلاّ فهو مبرَّأ منه عليه الصلاة والسلام.
[ الزّخرُف : ٨١ ]، فلو جاز أن يتخذ ولدًا، لكنت أنا أولى به، لأني أنا أول من عبده.
قال الورتجبي : قل إني أُمرت أن أكون أول من أسلم أي : أمرني حين كنت جوهر فطرة الكون ـ حيث لم يكن غيري في الحضرة ـ أن أكول أول الخلق في المحبة والعشق والشوق، وأول الخلق له منقادًا بنعت محبتي له، راضيًا بربوبيته، غير منازع لأمر مشيئته. وقال بعضهم : أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي