ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

ويقول الحق من بعد ذلك :
قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ( ١٤ ) .
والهمزة هنا في ( أغير ) يسمونها همزة الإنكار كقوله قائل : أتسب أباك ؟ إنها ليست استفهاما بقدر ما هي توبيخ ولوم. وكذلك : أغير الله أتخذ وليا . أي أن الحق يأمر رسوله أن يستنكر اتخاذ ولي غير الله.
إن اتخاذ الله كولي هو أمر ضروري ؛ لأن الإنسان تطرأ عليه أحداث تؤكد له أنه ضعيف وله أغيار، وساعة ضعف الإنسان لا بد أن يأوى إلى من هو أشد منه قوة ولا يتغير. إن الوالي – وهو الله – قوته لا يمكن أن تصير ضعفا، وغناه لا يمكن أن ينقلب فقرا، وعلمه لا يمكن أن يئول إلى جهل. إنه مغير ولا يتغير. لذلك فمن نعمة الله على خلقه أنه جعل من نفسه وليا لهم، فهو صاحب الأغيار.
والحق سبحانه وتعالى يعلم خلقه أن يكونوا أهل الحكمة ؛ يضعون الأمور في نصابها ويتوكلون عليه، فهو الحي الذي لا يموت. ونلحظ أن الحق هنا يأمر رسوله بالبلاغ عنه. وتتجلى هنا دقة الأداء القرآني فيأتي البلاغ كما نزل من الحق حرفيا.
ومثال ذلك قول الحق سبحانه :
قل هو الله أحد ( ١ ) ( سورة الإخلاص ).
ويبلغنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالنص القرآني كما نزل عليه، مبتدئا بكلمة ( قل ) ويبلغه الرسول لنا بأمانة البلاغ عن ربه. وهو هنا يقول : قل أغير الله أتخذ وليا . وهو الإله الذي جاءت كمالاته في الآيات السابقة ؛ الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور وله ما سكن في الليل والنهار، هذا الإله الحق هو الجدير بالعبادة.
ويريد الحق لرسوله أن يستخرج من الناس الإجابة، لا أن يقول هو : لا أتخذ وليا غير الله، وسبحانه يأمر رسوله أن يسألهم : قل أغير الله أتخذ وليا . وليكن السؤال مطروحا منك يا رسول الله تبليغا عن الله، وتعطي لهم الحرية في الإجابة، وسيكون الجواب كما تريد.
وعندما يسمع الإنسان مثل هذا السؤال لا بد أن يسأل نفسه ويدير عقله كي يجد جوابا. ولن يجد الإنسان جوابا سوى أن يقول : ليس لي ولي غير الله ؛ فالولي القريب الذي ينصر الإنسان في ضعفه، وإن استصرخه جاء لينقذه.
ولا يستصرخ الإنسان أحدا إلا إذا انتابه حادث جلل، فإذا ما جاء القوي ليغيث صاحب الصرخة فهو يطمئن إلى أن من جاءه سيعينه ويخلصه. واتخاذ الولي أمر فطري في الكون، والأمر المنكر أن يجعل الإنسان لنفسه وليا غير الله. ونحن – المؤمنين – يتخذ بعضنا بعضا أولياء في إطار الولاية لله مصداقا لقوله الحق :
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ( ٧١ ) ( سورة التوبة ).
ويتبادل المؤمنون والمؤمنات المحبة والنصرة طبقا للتعاقد الإيماني بينهم وبين الحق سبحانه وتعالى، ويأمر بعضهم بعضا بأوامر المنهج، وينهى بعضهم بعضا عن المحظورات التي حرمها الله ويتوصلون مع الحق بإقامة الصلاة. ويؤدون حق الله في مالهم بالزكاة، ويطيعون الله ويمتثلون أوامر رسوله، وهم بذلك ينالون وعد الله الحق بالرحمة، وهو سبحانه القادر على رعايتهم، وهو حكيم في صيانتهم، عزيز لا يغلب أحد.
إذن فأنت تطلب الولي لحظة الضعف، ولحظة الشدة، ولا يوجد إنسان استوت له كل زوايا الحياة فيصير قويا لا يضعف أبدا، أو يصير غنيا لا يفتقر أبدا. ونعلم أن الإنسان من الأغيار، فلم نرى قويا ثبتت له قوته، ولا غنيا ثبت له ثراؤه، فالإنسان ابن الأغيار، وتأتي له حالاته فوق قدرته، لذلك فهو يسأل عمن يعينه ويساعده، والمؤمن يحب أيضا أن يكون قويا ليساعد غيره ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قد وزع المواهب على خلقه في الكون ليضمن بقاء الولاية واستمراريتها، فأنت في احتياج إلى عمل إنسان آخر ؛ لأنك ضعيف في ناحية وغيرك قوي فيها، الطبيب يحتاج إلى المهندس، والمهندس يحتاج إلى الطبيب، والطبيب والمهندس يحتاجان إلى الفلاح، والفلاح يحتاج إلى عمل المهندس والطبيب، والطبيب والمهندس والفلاح يحتاجون إلى عمل المحامي.
هكذا وزع الله المواهب في الكون، ولم يجعل من إنسان مجمعا لكل المواهب. وذلك حتى يتساند المجتمع لا بالتفضل والتكرم بل بتساند الحاجة. فكل إنسان هو سيد في زاوية ما من زوايا الحياة، وبقية الزوايا يسودها غيره من البشر، ولذلك يقول الحق سبحانه :
نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون ( ٣٢ ) ( من الآية ٣٢ سورة الزخرف ).
هذا هو الإعلان من الله سبحانه وتعالى بأنه وزع المواهب بين البشر ليتساندوا ويسخر بعضهم بعضا في قضاء حوائج بعضهم بعضا لتنتظم أمور الحياة. وفي هذا التقسيم رحمة من الحق الخلق. فلو تساوى الناس في الذكاء، وصاروا كلهم من العباقرة، فمن هو الذي سيتولى أمور تنظيم الشوارع ؟ ومن الذي سيقوم بأعمال وصيانة المباني ورعاية وإطعام الحيوان والقيام على أمره ونحو ذلك من الأمور التي لا تنتظم الحياة إلا بها ؟
وكلنا يرى الرجل الذي ينزح آبار المجاري ويخرج في الصباح قائلا : يا فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم. ويطلب بئرا جديدا من المجاري لينزحه حتى يكسب قوت نفسه وعياله. وكل منا مضطر ومحتاج إلى غيره، وهذا هو معنى :
ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ( من الآية ٣٢ سورة الزخرف )
إذن فاتخاذ الولي هو أمر فطري، والإيمان بالله يعطينا ذكاء اختيار الولي. فالإنسان المؤمن عليه أن يختار الولي الذي يجده عندما يحتاج إليه ؛ لذلك فعليه أن يختار ولاية الله، ولا يختار ولاية الأغيار، فيسخر الله للمؤمن حتى عدوه ليخدمه. لذلك يبلغنا الحق على لسان رسوله :( قل أغير الله أتخذ وليا ) والذين ينكرون علينا أن نتخذ الله وليا ويريدون أن نتخذ غيره يرون في أنفسهم المثل.. فقد يخيب رجاؤهم، فالإنسان منهم قد يتخذ إنسانا مثله وليا، وساعة يحتاج إليه يجده مريضا، أو غائبا أو تغير قلبه عليه، لكن المؤمن يختار الله وليه لأنه الذي لا يغيب ولا يتغير، ولا يضعف. ولا ينكر القرآن أن يتخذ الإنسان له وليا من البشر، ولكن الحق يدلنا على أنه الولي الحق، وأن المؤمن عليه أن يتخذ إخوته المؤمنين أولياء له ؛ لأنها ولاية من الله وفي الله.
وأنت أيها المسلمون حين تختار الحق سبحانه وتعالى وليا لك فهو الذي يحضر لك كل زوايا المواهب ويعدها ويهيئها لتكون في خدمتك ؛ لأنه سبحانه وتعالى فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم وقد خلق والحق سبحانه السماوات والأرض على غير مثال. وسبحانه قد أبدع هذا الكون دون نموذج مسبق. وحين أراد سيدنا عيسى عليه السلام أن يثبت لقومه معجزته جاء بالطين وجعله كهيئة الطير، إذن فهناك مثال سبقه ووجده واتبعه. وعيسى إنسان من الخلق، أما خالق كل الخلق فقد خلق السماوات والأرض على غير مثال. وأنت أيها الإنسان قد لا تلتفت إلى مسألة خلق السماوات والأرض لأنك تراهما كل لحظة بصورة رتيبة، وقد تظن أنها مسألة سهلة، ولكن الحق سبحانه يقول :
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( ٥٧ ) ( سورة غافر ).
وهو سبحانه يقسم أن خلق السماوات والأرض مسألة أكبر وأدق من خلق الناس لكن أكثر الناس لا تعلم ذلك.
فسبحانه وتعالى يقول :
والسماء وبنيناها بأيد وإنا لموسعون ( ٤٧ ) ( سورة الذاريات ).
وفي قوله إنا لموسعون إشارة على خلق هذا الكون المرئي وغير المرئي ؛ لأن هناك الكثير من الأجرام والمجموعات الشمسية، وما وراء ذلك من اتساع ذلك الكون ما لا يدركه العقل ولا يمكنه تحديده، وهذه السعة المذهلة هي من قدرة الله سبحانه وتعالى. وإنا لموسعون .
ونجد الحق يستعمل كلمة :( فاطر ) مرة في شيء مصلح، وأخرى في شيء مفسد. والمثال للشيء المصلح هو ما يقوله الحق هنا : فاطر السماوات والأرض أي أنه خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق وباقتدار محكم.
ويقول الحق سبحانه في موضع آخر : إذا السماء انفطرت ( ١ ) ( سورة الانفطار ).
أي أن الحق يبينه هنا إلى يوم الهول الأعظم الذي تنشق فيه السماء وتساقط فيه الكواكب فلا يؤدي أي شيء منها مهمته ؛ لأن الله – سبحانه – سلبها ما كانت به صالحة.
ويقول أيضا :
الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ( ٣ ) ( سورة الملك ).
فالحق لا يعجز عن شيء، وهو الخالق لسبع سماوات بإتقان بعضها فوق بعض، فلا يرى الناظر أي خلل في هذا الخلق، وليعد الإنسان النظر إلى السماء فلن يجد أي خلل من شقوق أو فروق.
و ( فطور ) هنا معناه الشقوق. إذن فالحق – بتمام قدرته – يعطي الشيء من الصفات ما يجعله صالحا لأداء ما خلق فلا يظن ظان أنه خرج عن قدرة خالقه – سبحانه – وخلق السماوات والأرض بتمام إبداع وإحكام، وهو القادر على أن يفطرهما ويجعلهما غير صالحتين في أي وقت شاء، ومثلهما الشمس تكور، والنجوم تطمس، والجبال تنسف.
وقال عالم من العلماء : ما فهمت كلمة ( فاطر ) إلا حين جاء أعربي، وقال : فلان ينازعني في بئر أنا فطرته. أي أن الأعرابي هو الذي بدأ حفر البئر. إذن فاطر السماوات والأرض... أي الذي خلقهما على غير مثال. وسبحانه وتعالى القائل : أو لم ير الذين كفروا امن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ( ٣٠ ) ( سورة الأنبياء ).
وهذا القول الحكيم لم يصل إلى فهمه من سبقونا، لكن إنسان هذا العصر الذي نعيشه فهمها بعد أن توصل العلماء إلى أن السماوات والأرض كانت كتلة واحدة وفصلهما الحق بإرادته. وجعل من الماء الحياة لكل كائن حي.
إذن هو سبحانه قادر على كل شيء، ولا يخرج شيء عن نطاق قدرته. وهو سبحانه قبل أن يمتن علينا بخلق الحيازة فهو يحذرنا أن يأخذنا الغرور بهذه الحياة، لذلك قال :
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ( ١ ) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ( ٢ ) }( سورة الملك ).
وكأنه ينبه الإنسان إلى أن يستقبل الحياة ؛ ليعرف أنه سبحانه أوجد ناقض الحياة وهو الموت، فإياك أن تخذ الحياة على أنها تعطيك القوة الحركة والإدراك والإرادة برتابة وأبدية ؛ لأن هناك ناقض الحياة وهو الموت.
ها هو ذا سبحانه يقول في موضع آخر من القرآن الكريم :
أفرأيتم ما تمنون ( ٥٨ ) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ( ٥٩ ) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ( ٦٠ ) على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ( ٦١ ) ( سورة الواقعة ).
والإنسان لا يرى الحيوانات المنوية المقذوفة منه في رحم زوجه، ولا أحد يقدر على ذلك ويرعاه حتى يصير جنينا ثم بشرا، ولكن الحق هو المقدر والخالق، إنه القادر الذي أعطانا الحياة وقدر علينا الموت ولا غالب له، إنه يبدل صورنا حين يريد، ويخلق غيرنا وينشئنا في صور لا نعرفها، وهو الواهب للحياة، وهو الذي ينزعها بالموت.
ويقول لنا :
أفرأيتم ما تحرثون ( ٦٣ ) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ( ٦٤ ) ( سورة الواقعة ).
هنا ينبهنا جل وعلا إلى أن الزرع الذي نأكله، والثمار التي نجنيها من الأرض ليس لنا فيه

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير