ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

المفردات اللغوية : والولي : الناصر، ومتولي الأمر : المتصرف فيه، فاطر السماوات والأرض : أي مبدعهما على غير مثال سابق، وأصل الفطر : الشق ومنه إذا السماء انفطرت [ الانفطار : ١ ] وهو يطعم ولا يطعم، أي هو الرزاق لغيره ولا يرزقه أحد، يصرف عنه أي يبعد عنه، رحمة أي بإنجائه من الهول الأكبر.
المعنى الجملي : ذكر سبحانه في الآية السابقة أصول الدين الثلاثة : التوحيد والبعث والجزاء ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر شبهات الكافرين على الرسالة وبين ما يدحضها، ثم أرشد إلى سننه تعالى في أقوام الرسل المكذبين، وأن عاقبتهم الهلاك والاستئصال والخزي والنكال، تسلية لرسوله صلى الله عليه سلم وتثبيتا لقلبه وإعانة له على المضي في تبليغ رسالته.
ثم ذكر هنا هذه الأصول الثلاثة بأسلوب آخر : أسلوب السؤال والجواب، بهرهم فيه بالحجة، ودلهم على واضح المحجة، تفننا في الحجاج في المواضع الهامة، فإن الأدلة إذا تضافرت على مطلوب واحد لها في النفس قبول أيما قبول، وكذلك أساليب الحجاج إذا تنوعت دفعت عن السامع السأم وجعلته ينشط لسماع ما يلقى إليه، فهو إذا لم يعقل الدليل الأول عمي عليه أسلوبه رأى في الدليل الثاني ما ينير طريق المطلوب أو رأى في الأسلوب الثاني ما يكفيه مؤونة البحث في الدليل الأول فهو في غنى بما يكون أمامه عن أن يبحث عن فائت أو يلجأ إلى غائب، ومن ثم نرى الخطباء المفلقين والعلماء المبرزين ينوعون أساليب حجاجهم ويكثرون البرهانات على المطلوب الواحد، ليكون ذلك ادعى إلى الإقناع وأقرب إلى الاقتناع.
وبعد هذا القول الذي أمر رسوله للتذكير بأنه المالك لكل شيء، والمدبر لكل شيء إذ هو سميع لكل شيء ولا يعزب عن علمه شيء أمره هنا بقول آخر لازم لا سبق، وهو وجوب ولايته تعالى وجده والتوجه إليه دون سواه في كل ما هو فوق كسب البشر، والاعتماد على توفيقه فيما هو من كسبهم فقال : قل أغير الله أتخذ وليا .
الإيضاح : قل أغير الله أتخذ وليا أي قل لهم : لا أطلب من غيره نفعا ولا ضرا، لا فعلا ولا منعا، فيما هو فوق كسبه وتصرفه الذي منحه الله لأبناء جنسه، أما تناصر المخلوقين وتولي بعضهم بعضا فيما هو من كسبهم العادي، فلا يدخل في عموم الإنكار الذي يفهم من الآية، فقد أثنى الله على المؤمنين بأن بعضهم أولياء بعض.
وقد كان المشركون من الوثنيين ومن طرأ عليهم الشرك من أهل الكتاب يتخذون معبوداتهم وأنبياءهم وصلحاءهم أولياء من دون الله، يتوجهون إليهم بالدعاء يستغيثون بهم ويستشفعون بهم عند الله في قضاء حاجاتهم من نصر على عدو وشفاء من مرض وسعة في رزق إلى نحو أولئك.
وهذا بلا شك عبادة وشرك بالله لاعتقادهم أن حصول المطلوب من غير أسبابه العادية قد يكون بمجموع إرادة هؤلاء وإرادة الله.
ويلزم هذا : أن إرادة الله ما تعلقت بفعل ذلك المطلب إلا تبعا لإرادة الولي الشافع أو المتخذ وليا وشفيعا.
فاطر السماوات والأرض أي إنه تعالى أوجدهما على غير مثال سابق، وقد روي عن ابن عباس أنه قال : ما عرفت ما فاطر السماوات والأرض ؟ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما : أنا فطرتها أي ابتدعتها.
وقد كانت المادة التي خلقت منها السماوات والأرض كتلة واحدة دخانية، ففتق رتقها وفصل منها أجرام السماوات والأرض، وهذا ولا شك ضرب من الفطر والشق، قال تعالى أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما [ الأنبياء : ٣٠ ].
وفي ذلك تعريض بأن من فطر السماوات والأرض بمحض إرادته بدون تأثير مؤثر ولا شفاعة شافع ينبغي ألا يتوجه إلى غيره بالدعاء ولا يستعان بسواه في كل ما وراء الأسباب.
وقد أكد هذا المعنى وزاده تثبيتا بقوله :
وهو يطعِم ولا يطعَم أي إنه يرزق الناس الطعام وليس هو بحاجة إلى من يرزقه ويطعمه، لأنه منزه عن الحاجة إلى كل ما سواه، أيا كان نوعها.
وفي هذا إيماء إلى أن من اتخذوا أولياء من دونه من البشر محتاجون إلى الطعام ولا حياة بدونه، وأن الله هو الذي خلق لهم الطعام فهم عاجزون عن خلقه، وعاجزون عن البقاء بدونه فأحرى بهم ألا يتخذوا أولياء مع الغني الرازق الفعال لما يريد.
وإذا كان الإنكار توجه إلى البشر فأولى به أن يتوجه إلى الأصنام والأوثان لأنها أضعف من البشر إذ قد اتفق العقلاء على تفضيل الحيوان على الجماد والإنسان على جميع أنواع الحيوان.
قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم أي قل لهم بعد أن استبانت لديكم الأدلة على وجوب عبادة الله وحده وعدم اتخاذ غيره وليا : إني أمرت من ربي الموصوف بجليل الصفات أن أكون أول من أسلم إليه وانقاد لديه من تلك الأمة التي بعثت فيها، فلا أدعو إلى شيء إلا كنت أول مؤمن به سائر على نهجه.
ولا تكونن من المشركين أي وقيل لي بعد إسلام الوجه له : لا تكونن من المشركين الذين اتخذوا من دونه أولياء ليقربوهم إليه زلفى.
وخلاصة ذلك : إني أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير