ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

يقول الله جل وعلا : وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون١٥٥ ( الأنعام : آية١٥٥ ) ذكرنا أنه جرت العادة أن الله ينوه بالتوراة والقرآن معا، لأنهما أعظم الكتب المنزلة، لأنه قبل/ نزول القرآن كان التوراة أعظم الكتب المنزلة وأجمعها للأحكام، كما قال الله فيه : وتفصيلا لكل شيء ( الأنعام : آية١٥٤ ). فلما نزل القرآن كان أشمل كتاب وأعظمه، لأن أجمع الله فيه علوم الأولين والآخرين، وزاد في أشياء لم تنزل على غيره، ولذا لما نزلت التوراة في قوله : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أنزلناه مبارك ( الأنعام : آية١٥٥ ) ومثل هذا يتكرر في القرآن، كقوله في التوراة : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ( الأنعام : آية٩١ )، ثم قال : وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ( الأنعام : آية٩٢ ) فأتبع التنويه بالتوراة التنويه بالقرآن، كقوله : ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا يعني : القرآن كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ( هود : آية١٧ ) وكقوله : قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران ( القصص : آية ٤٨ ) وفي القراءة الأخرى : ساحران تضاهرا [ والجن ] ( في الأصل :" واليهود " وهو سبق لسان ) الذين استمعوا القرآن قالوا : إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ( الأحقاف : آية٣٠ ).
ومعنى الآية الكريمة : وهذا الذي تتلى عليكم آياته كهذه الآيات المحكمات : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم...... إلى آخر الآيات( الأنعام : آية ١٥١ )، وهذا الذي تتلى عليكم آياته جامعة هذا من الأحكام والتشاريع، كتاب هو كتاب الله( جل وعلا )، الذي هوآخر كتاب نزل من السماء، وهو أعظم كتاب سماوي، على أعظم رسول أرسله الله في الأرض، فهو آخر الكتب السماوية، ونازل على آخر الرسل وخاتمهم صلى الله عليه وسلم، جمع الله فيه علوم االكتب السابقة، كما قدمناه في سورة المائدة في قوله : ومهيمنا عليه ( المائدة : آية٤٨ ) ولذا ما حرف اليهود بين القرآن أنه محرف، وكان اليهود يختلفون في أشياء لا تعلم علماؤهم حقائقها، من غوامض التوراة، فبينها لهم القرآن، وأوضحها لهم، لهيمنته على الكتب قبله. إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون٧٦ ( النمل : آية٧٦ ) أي : ويوضحه لهم، ولما أنزل الله : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ( النساء : آية١٦٠ ) قال اليهود : " ماحرم علينا شيء بسبب ذنب، وإنما حرم علينا ما كان محرما على أبينا إسرائيل من الأطعمة }. وإسرائيل : هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. فلما زعموا أن الله لم يحرم عليهم إلا ما كان محرما من الطعام على إسرائيل كذبهم القرآن، وألقمهم الحجر، فقال : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين٩٣ ( آل عمران : آية ٩٣ ) فلما قال لهم : قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين خافوا وخجلوا، ولم يأتوا بها.
وكذلك قصة اليهوديين الزانيين المشهورة، بأنه زنى يهوديان من يهود خيبرأو ما يقرب منها، فأرسلوا ليهود المدينة :" سلوا لنا محمدا صلى الله عليه وسلم عن حكم الزاني المحصن، فإن اتاكم بجلد أو شيء غير القتل فاقبلوا حكمه، ونخرج من العهدة أمام الله بانهما حكم فيهما نبي كريم " لأنهم يعلمون أنه نبي كريم صلى الله عليه وسلم. كما تقدم في قوله : إن أوتيتم هذا فخدوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ( المائدة : آية ٤١ ) يعنون : إن أعطاكم الحكم السهل من عدم رجم الزانيين فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا ! ! وعلى كل حال ثبت في الصحيحين في قصة الزانيين المشهورة أنهما أتوا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحكمه فيهم ( هكذا العبارة في الأصل، والصواب أن يقال :" أنهم أتوا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحكموه فيهم...... )، والنبي صلى الله عليه وسلم قال : " سأحكم فيهم بالحكم الذي أنزل الله في التوراة " وهو الرجم. وكان رئيسهم الديني في ذلك الوقت : عبدالله بن صوريا الأعور، فقال له : ليس في التوراة الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بلى، إن في التوراة لآية تدل على الرجم فأتوا بالتوراة ". فجاؤوا بالتوراة، فقرأ للحق، فجاء عبد الله بن سلام( رضي الله عنه وأرضاه )، وهو يهودي أصلا من يهود بني قينقاع، وهو من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفاضل الصحابة الكرام، فهو الذي أنزل الله فيه في الأحقاف : قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ( الأحقاف : آية١٠ ) هذا الشاهد : هو عبد الله بن سلام، وكان أعلمهم بالتوراة، فقال لابن صوريا : ارفع يدك ! ! وقرأ آية الرجم، فحكم الني عليهما بالرجم، ورجمهما الصحابة. وفي الصحيحين : أن بعض الصحابة رأى الرجل يجنؤ على المرأة. أي : ينحني عليها ليقيها الحجارة، فرجما وقتلا. وهذا من هيمنة القرآن على الكتب، وإنما سمي هذا القرآن كتابا لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى : بل هو قرآن مجيد٢١ في لوح محفوظ٢٢ ( البروج : الآيتان ٢١-٢٢ ) ومكتوب في صحف عند الملائكة لما جمع كله في بيت العزة في السماء الدنيا، كما قال في قوله : كلا إنها تذكرة١١ فمن شاء ذكره١٢ في صحف مكرمة١٣ مرفوعة مطهرة١٤ ( عبس : آيةالآيات١١-١٤ ) ولأنه مكتوب أيضا عند المسلمين، كما قال : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة١ رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة٢ فيها كتب قيمة٣ ( البينة : الآيات ١-٣ ).
فلما كان مكتوبا في اللوح المحفوظ، وفي الصحف عند الملائكة، وبالصحف بأيدي المسلمين قيل له :( كتاب ) وأصل الكتاب :( فعال ) بمعنى ( مفعول ) وإتيان( الفعال ) بمعنى ( المفعول ) مسموع في لغة العرب في كلمات غير كثيرة، ككتاب بمعنى مكتوب، ولباس بمعنى ملبوس، وإله بمعنى مألوه، أي : معبود، ونحو ذلك في أوزان غير كثيرة.
وأصل مادة الكتابة، مادة( الكاف، والتاء، والباء ) ( كتب ) معناها في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناها : الضم والجمع، فكل شيء ضممت بعضه إلى بعض وجمعت بعضه إلى بعض فقد كتبته. ومن هنا قيل للخياطة كتابة. وفي لغز الحريري :

وكاتبين وما خطت أناملهم حرفا ولا قرؤوا ما خط في الكتب
يعني بالكاتبين : الخياطين. ومنه قول عمرو بن دارة يهجو بني فزارة من قبائل غطفان كانت العرب تعيرهم بالفاحشة مع إناث الإبل، يزعمون أنهم يزنون بالنوق، تعييرا لهم، فعيرهم هذا الشاعر فقال :
لا تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار
يعني : خط فرجها بأسيار لئلا يزني بها. وهذا معنى معروف في كلام العرب.
ومنه قيل للرقعة التي تكون في السقاء، وقيل لها : كتبة وقيل للسير الذي تخاط به الرقعة أيضا :( كتبة ) لأنه يضم الرقعة إلى السقاءن ومنه قول غيلان ذي الرمة :
ما بال عينك منها الماء ينسكب كأنه من كلى مفرية سرب
وفراء عرفية أثأى خوارزها مشلشل ضيعته بينها الكتب
يعني : ب( الكتب ) : قيل : السيور التي تخاط بها الرقع، أي : مسك الرقع، يشبه كثرة دموعه بماء السقاء إذا اتسع موضع السير الذي خيطت به، لأنها جماعة ينضم بعضها إلى بعض، ويتشكل مع بعض، فسميت الخياطة كتابة، لأن الخياط يضم طرفي الثوب أو الأديم، ويجمع بعضها إلى بعض بالخياطة، يضع حرفا منقوشا ثم حرفا ثم حرفا، حتى يتكون من ذلك كلام يدل على المعاني، فلأجل هذا فالكتابة مصدر سيال.
أي : وهذا قرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي الصحف عند الملائكة، وصحف مطهرة بأيدي المسلمين.
أنزلناه يعني : هذا الكتاب أنزلناه من عندنا، ومن كلامنا، وصيغة الجمع للتعظيم، وجملة الفعل وفاعله في أنزلناه في محل النعت للكتاب، لأن النكرات تنعت بالجمل، كما هو معروف. و( مبارك ) نعت آخر، والأصل ان يقدم النعت بالمفرد ثم بشبه الجملة كما في قوله : وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ( غافر : آية٢٨ ) فبدأ بالنعت بقوله : مؤمن لأنه مفرد، ثم أتبعه بشبه الجملة، وهي : من آل فرعون ثم أتبعه بالجملة يكتم إيمانه هذا هو الأصل المقرر في المعاني. وربما قدم النعت بغير الجملة، وربما قدم النعت بغير المفرد على النعت بالمفرد. فمثال تقديمه بشبه الجملة : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين فالجار والمجرور نعت قدم على النعت المفرد في قوله : عظيم ( الزخرف : آية٣١ ) ومثال تقديم الجملة على المفرد قوله هنا : كتاب أنزلناه مبارك فجملة أنزلناه نعت قدم على النعت بالمفرد. ونظيره من كلام العرب قول طرفة بن العبد :
وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن مظاهر سمطى لؤلؤ وزبرجد
فإن قوله :( شادن ومظاهر ) مفردان، قدم قبلهما النعت بالجملة في قوله :" ينفض المرد " وهذا معروف.
وقوله : مبارك معناه : أن هذا الكتاب مبارك، أي كثير البركات، والخيرات، فمن تعلمه وعمل به غمرته الخيرات في الدنيا والآخرة، لأن ما سماه الله مباركا فهو كثير البركات والخيرات قطعا. وكان بعض علماء التفسير يقول : اشتغلنا بالقرآن فغمرتنا البركات والخيرات في الدنيا. تصديقا لقوله : كتاب أنزلناه مباركا ونرجو أن يكون لنا مثل ذلك في الدنيا. وهذا الكتاب المبارك لا ييسر الله للعمل به إلا الناس الطيبين المباركين، فإنه كثير البركات والخيرات، لأنه كلام رب العالمين، إذا قرأه الإنسان وتدبر معانيه ففي كل حرف عشر حسنات في القراءة، وإذا تدبر معانيه عرف منها العقائد التي هي الحق، وعرف أصول الحلال والحرام، ومكارم الأخلاق، وأهل الجنة وأهل النار، وما يصير إليه الإنسان بعد الموت، وما يسبب له العذاب الأبدي، فكله خيرات وبركات، لأنه نور ينير الطريق التي تميز بين الحسن من القبيح، والنافع من الضار، والباطل من الحق، فهو كله خيرات وبركات، من عمل به غمرته الخيرات والبركات في الدنيا والآخرة، وأصلح له الله الدارين.
ومن غرائب الأشياء وعجائبها أن أكثر أهل المعمورة ممن يؤمنون بأنه كلام الله الذي أنزله على رسوله يطلبون الهدى في غيره، ويطلبون التشاريع والتحليلات والتحريمات من غيره ! ! فهذا من الغرائب ! إذا كيف يعدل عاقل عن كلام خالق السماوات والأرض ؟ فهذا النور المبين، والحبل المتين الذي بينه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بسنته الصحيحة. يدل عن هذا زاعما أنه ليس بصالح لهذا الوقت، وأن الحياة تطورت بعد نزوله تطورا لا يلائم هذا القرآن ! ! ومن انزل القرآن عالم بما يحدث من التطورات، وما يكون، فجعل القرآن دينا خالدا لا ينسخه دين، باق إلى يوم القيامة، وهو عالم بما ينزل وما يحدث في الدنيا، بل لو عملت الدنيا أجمعها بهذا الكتاب الكريم لأزال جميع مشاكلها، وازال عنها كل الضرر، ونظم علاقات حياتها على الوجوه الكاملة، وأراها الطريق الواضحة التي تحصل بها على خير الدنيا والآخرة. وهو دائما يحث على التقدم

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير