الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : إنَّ صَلَاتِي. . . الْآيَةَ :
مَقَامُ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ وَدَرَجَةُ التَّفْوِيضِ إلَى اللَّهِ بِنَاءً عَنْ مُشَاهَدَةِ تَوْحِيدٍ وَمُعَايَنَةِ يَقِينٍ وَتَحْقِيقٍ ؛ فَإِنَّ الْكُلَّ من الْإِنْسَانِ لِلَّهِ أَصْلٌ وَوَصْفٌ، وَظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، وَاعْتِقَادٌ وَعَمَلٌ، وَابْتِدَاءٌ وَانْتِهَاءٌ، وَتَوَقُّفٌ وَتَصَرُّفٌ، وَتَقَدُّمٌ وَتَخَلُّفٌ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، لَا من هُ وَلَا من غَيْرِهِ يُضَاهِيهِ أَوْ يُدَانِيهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ( أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِهِ صَلَاتَهُ، وَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي اسْتِفْتَاحِهَا أَيْضًا : سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ).
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ بِذَلِكَ ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَمْ يَرَ مَالِكٌ هَذَا الَّذِي يَقُولُ النَّاسُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ : سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك.
وَفِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ : وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ فِي خَاصَّتِهِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ بِهِ ؛ وَكَانَ لَا يُرِيهِ لِلنَّاسِ مَخَافَةَ أَنْ يَعْتَقِدُوا وُجُوبَهُ. وَرَآهُ الشَّافِعِيُّ من سُنَنِ الصَّلَوَاتِ، وَهُوَ الصَّوَابُ ؛ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا قُلْنَا إنَّهُ يَقُولُهَا فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي آخِرِهَا : وَأَنَا من الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَقُولُ : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ؛ إذْ لَيْسَ أَحَدٌ بِأَوَّلِهِمْ إلَّا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَإِنْ قِيلَ : أَوَلَيْسَ إبْرَاهِيمُ قَبْلَهُ ؟ قُلْنَا : عَنْهُ أَجْوِبَةً، أَظْهَرُهَا الْآنَ أَنَّ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ من أَهْلِ مِلَّتِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أحكام القرآن
ابن العربي