والضر هو ما يصيب الكائن الحي مما يخرجه عن استقامة حياته وحاله. فعندما يعيش الإنسان بغير شكوى أو مرض ويشعر بتمام العافية فهو يعرف أنه سليم الصحة ؛ لأنه لا يشعر بألم في عيونه أو ضيق في تنفسه أو غير دلك، لكن ساعة يؤلمه عضو من أعضاء جسمه فهو يضع يده عليه ويشكو ويفكر في الذهاب إلى الطبيب. إذن فاستقامة الصحة بالنسبة للإنسان هي رتابة عمل كل عضو فيه بصورة لا تلفته إلى شيء.
ويلفت الحق أصحاب النعم عندما يرون إنسان من حولهم وقد فقد نعمة ما، فساعة تسير في الشارع وترى إنسانا فقد ساقه فأنت تقول :( الحمد لله ) لأنك سليم الساقين. كأنك لا تدرك نعمة الله في بعض منك إلا إن رأيتها مفقودة في سواك. وهكذا نعلم أن من الآلام والآفات منبهات للنعم. وأيضا قد يصيب منغصات الحياة الإنسان ليعلم أنه لم يأخذ نعم الله كلها فيقول العبد لحظتها : يا مفرج الكروب يا رب، ولذلك تجد الإنسان يقول :( يا رب ) حينما تأتيه آفة في نفسه ويفزع إلى الله. وقد قالها الله عن الإنسان :
وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعلمون ( ١٢ ) ( سورة يونس ).
فالإنسان عندما يحس ضعفه إذا ما أصابه مكروه لا يمل دعاء الله، سواء أكان الإنسان مضطجعا أم قاعدا أم قائما، وعندما يكشف الحق عنه الضر قد ينصرف عن جانب الله، ويستأنف عصيان الله كأنه لم يدع الله إلى كشف الضر، وهذا هو سلوك المسرفين على أنفسهم بعصيان الله. والنفس أو الشيطان تزين للعاصي بعد انكشاف الضر أن يغوص أكثر وأكثر في آبار المعاصي وحمأة الرذيلة.
قد ينسب الإنسان كشف الضر لغير الله، فينسب انكشاف الضر إلى مهارة الطبيب الذي لجأ إليه، ناسيا أن مهارة الطبيب هي من نعم الله. أو ينسب أسباب خروجه من كربه إلى ما آتاه الله من علم أو مال، ناسيا أن الله هو واهب كل شيء، كما فعل قارون الذي ظن أن ماله قد جاءه من تعبه وكده وعمله ومهارته، ناسيا أن الحق هو مسبب كل الأسباب، ضرا أو نفعا، فسبحانه هو الذي يسبب الضر كما يسبب النفع.
ويلفت الضر الإنسان إلى نعم الحق سبحانه وتعالى في هذه الدنيا. وإذا ما رضي الإنسان وصبر فإن الله يرفع عنه الضر ؛ لأن الضر لا يستمر على الإنسان إلا إذا قابله بالسخط وعدم الرضا بقدر الله. ولا يرفع الحق قضاء في الخلق إلا أن يرضى خلق الله بما أنزل الله، والذي لا يقبل المصائب هو من تستمر معه المصائب، أما الذي يريد أن يرفع الله عنه القضاء فليقبل القضاء.
إن الحق سبحانه يعطينا نماذج على مثل هذا الأمر ؛ فها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يتلقى الأمر بذبح ابنه الوحيد، ويأتيه هذا الأمر بشكل قد يراه غير المؤمن بقضاء الله شديد القسوة، فقد كان على إبراهيم أن يذبح ابنه بنفسه، وهذا ارتقاء في الابتلاء. ولم يلتمس إبراهيم خليل الرحمن عذرا ليهرب من ابتلاء الله له، ولم يقل : إنها مجرد رؤيا وليست وحيا ولكنها حق، وقد جاءه الأمر بأهون تكليف وهو الرؤيا، وبأشق تكليف وهو ذبح الابن، ونرى عظمة النبوة في استقبال أوامر الحق. ويلهمه الله أن يشرك ابنه إسماعيل في استقبال الثواب بالرضا بالقضاء :
فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ( ١٠٢ ) ( سورة الصافات ).
لقد بلغ إسماعيل عمر السعي في مطالب الحياة مع أبيه حين جاء الأمر في المنام لإبراهيم بأن يذبح ابنه، وامتلأ قلب إسماعيل بالرضا بقضاء الله ولم يشغل بالحق على أبيه. ولم يقاوم، ولم يدخل في معركة، بل قال :
يا أبت افعل ما تؤمر ( من الآية ١٠٢ سورة الصافات ).
ولقد أخذ الاثنان أمر الله بقبول رضا ؛ لذلك يقول الحق عنهما معا :
فلما أسلما وتله للجبين ( ١٠٣ ) وناديناه أن يا إبراهيم ( ١٠٤ ) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ( ١٠٥ ) إن هذا لهو البلاء المبين ( ١٠٦ ) وفديناه بذبح عظيم ( ١٠٧ ) ( سورة الصافات ).
لقد اشترك الاثنان في قبول قضاء الله، وأسلم كل منهما للأمر ؛ أسلم إبراهيم كفاعل، وأسلم إسماعيل كمنفعل، وعلم الله صدقهما في استقبال أمر الله، وهنا نادى الحق إبراهيم عليه السلام : لقد استجبت أنت وإسماعيل إلى القضاء، وحسبكما هذا الامتثال، لذلك يجيء إليك وإلى ابنك اللطف، وذلك برفع البلاء. وجاء الفداء بذبح عظيم القدر، لأنه ذبح جاء بأمر الله. ولم يكتف الحق بذبك ولكن بشر إبراهيم بميلاد ابن آخر :
وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين ( ١١٢ ) ( سورة الصافات ).
لقد رفع الله عن إبراهيم القدر وأعطاه الخير وهو ولد آخر. إذن فنحن البشر نطيل على أنفسنا أمد القضاء بعدما قبولنا له : لكن لو سقط على الإنسان أمر بدون أن يكون له سبب فيه واستقبله الإنسان من مجريه وهو ربه بمقام الرضا، فإن الحق سبحانه وتعالى يرفع عنه القضاء. فإذا رأيت إنسانا طال أمد القضاء فاعلم أنه فاقد الرضا.
ونلحظ أن الحق هنا يقول : وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير الله سبحانه وتعالى يعلم أن أي عبد لا يتحمل أن يضره الحق ؛ فقوة الحق لا متناهية ولذلك يكون المس بالضر، وكذلك بالخير ؛ فالإنسان في الدنيا لا ينال كل الخير، إنما ينال مس الخير ؛ فكل الخير مدخر له في الآخرة. ونعلم أن خير الدنيا إما أن يزول عن الإنسان أو يزول عنه، أما كل الخير فهو في الآخرة.
ومهما ارتقى الإنسان في الابتكار والاختراع فلن يصل إلى كل الخير الذي يوجد في الآخرة، ذلك أن خبر الدنيا يحتاج إلى تحضير وجهد من البشر، أما الخير في الآخرة فهو على قدر المعطي الأعظم وهو الله سبحانه وتعالى. إذن فكل خير الدنيا هو مجرد مس خير ؛ لأن الخير الذي يناسب جمال كمال الله لا يزول ولا يحول ولا يتغير، وهو مدخر للآخرة. ولا كاشف لضر إلا الله ؛ فالمريض لا يشفى بمجرد الذهاب إلى الطبيب، لكن الطبيب يعالج بالمهارة الموهوبة له من الله، والذي يشفي هو الله.
وإذا مرضت فهو يشفين ( ٨٠ ) ( سورة الشعراء ).
لأن الحق سبحانه وتعالى قد خلق الداء، وخلق الدواء، وجعل الأطباء مجرد جسور من الداء إلى الدواء ثم إلى الشفاء، والله يوجد الأسباب ليسر ويفرح بها عباده، فيجعل المواهب كأسباب، وإلا فالأمر في الحقيقة بيده – سبحانه وتعالى – قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد : الهرم )(١).
ونحن نرى أن الطبيب المتميز يعلن دائما أن الشفاء جاء معه، ولا به. ويعترف أن الله أكرمه بأن جعل الشفاء يأتي على ميعاد من علاجه. إذن فالحق هو كاشف الضر، وهو القدير على أن يمنحك ويمسك بالخير. وقدرته لا حدود لها.
تفسير الشعراوي
الشعراوي