ﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ

ويقول الحق من بعد ذلك :
والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ( ٤٩ ) .
والذين كذبوا بآيات الله هم إما من كذب الرسول في الآيات الدالة على صدقه وهو المبلغ عن الله، وهؤلاء دخلوا في دائرة الكفر. وإما هم الذين كذبوا بآيات المنهج، فلم يستخدموا المنهج على أصوله وانحرفوا على الصراط المستقيم والطريق السوي. وهؤلاء وهؤلاء قد فسقوا، أي خرجوا عن الطاعة، ونعلم أن كلمة ( الفسق ) مأخوذة من خروج ( الرطبة ) عن قشرتها عندما يصير حجمها أصغر بما كانت عليه لاكتمال نضجها. والذي يفسق عن منهج الله هو الذي يقع في الخسران ؛ لأن منهج الله هدفه صيانة الإنسان المخلوق لله ب ( افعل كذا ) و ( لا تفعل كذا ).
إن الإنسان يفسق عندما لا يفعل ما أمره الله أن يفعله، أو يفعل ما نهاه الله عن أن يفعله. ونجد الإنسان منا يخاف على جهاز التسجيل أو جهاز التليفزيون من أن يفسد فيتبع القواعد المرعية لاستخدامه. فلا يمد – مثلا – جهازا من الأجهزة الكهربائية بنوعية من الطاقة غير التي يحددها الصانع، فإن قال لصانع : استخدام كهرباء مقدارها مائتان وعشرين فولتا حتى لا تفسد الآلة فالإنسان ينصاع لما قاله الصانع، فما بالنا بالإنسان، إن الله – جلت قدرته – خلق الإنسان ووضع له قوانين صيانته. إذن فمن يفسد في قوانين صيانة نفسه يمسه العذاب، وكلمة يمسهم العذاب تعطي وتوحي بأن العقوبة تعشق أن تقع على المجرم، كأن العذاب سعى إليه ليناله ويمسه وها هو ذا قول الحق عن النار :
تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ( ٨ ) ( سورة الملك ).
وهو سبحانه القائل عن النار :
يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ( ٣٠ ) ( سورة ق ).
إذن فالعقوبة نفسها حريصة على أن تنفذ إلى من أساء. ولذلك يلح العذاب في أن يمس الذين فسقوا. ويأتي الحق هنا بكلمة ( المس ) لحكمة، ذلك أن عقوبة الله لا تقارب البشر.
فالإنسان يعاقب إنسانا بمقياس قدرته وقوته، وليس لأحد من الخلق أن يتمثل قدرة الله في العذاب، ولذلك يكفي المس فقط، لأن التعذيب يختلف باختلاف قدرة المعذب، فلو نسبنا التعذيب إلى قدرة الله لكان العذاب رهيبا لا طاقة لأحد عليه.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير