ويقول الحق بعد ذلك :
قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ( ٦٣ ) .
المتعب للخلق أن تأتي الظلمة وتكون في مهمة النور، وأن يأتي النور في مهمة الظلمة، فكل من الظلمات والنور دور ومهمة في الحياة. ولذلك قلنا في أول السورة حين تكلم الحق سبحانه وتعالى قائلا :
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور.......... ( ١ ) ( سورة الأنعام ).
لقد ظن البعض أن المفترض أن يقول سبحانه : وجعل النور والظلمات، ولكن لنتلمس القول الحق، ولنعترف أن مهمة الظلمة تتساوى مع مهمة النور، وعلى الإنسان أن يعي مهمة الظلمة، وكلنا يعرف مهمة النور الذي يعينا على السعي على أمور حياتنا، ويتطلب السعي طاقة، ولا يمكن أن تأتي الطاقة إلا بعد سكون وهدوء واطمئنان وراحة ؛ لذلك فالراحة تحتاج إلى ظلمة لينام الإنسان ويستريح، إذن فالظلمة نعمة من نعم الله، والذي يتعب الإنسان أن يغير ويبدل فيجعل النور مكان الظلمة، ويجعل الظلمة مكان النور، وهذا خروج عن مهمة كل متقابلين. وحين ينشئ الحق المقابلات لا ينشئها على أنها تتضاد، أو على أنها تتعاند، ولكنه – سبحانه – يريد متكاملا يعين متكاملا، فلا شيء يهدم شيئا مقابلا له، بل كل متكامل يساعد الآخر. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى :
والليل إذا يغشى ( ١ ) والنهار إذا تجلى ( ٢ ) ( سورة الليل )
وقد جاء سبحانه بالليل أولا، والنهار ثانيا، ولكل منهما مهمة، ولا يمكن أن تؤدي مهمة النهار على حقيقتها إلا إن جاءت مهمة الليل فأديت على حقيقتها. وهات إنسانا لم يأخذ من الليل الراحة والسكون والهدوء، وعانى من قرص ولسع الناموس أو البراغيث، أو من ضجيج وخلافه، ولم ينم، ثم في الصبح تجده نصف نائم، نصف مراهق، غير قادر على التركيز أو كما يقول ( مذهول ).
إذن فمن أجل حركة الضوء لا بد أن توجد الظلمة.
والليل إذا يغشى ( ١ ) والنهار إذا تجلى ( ٢ ) ( سورة الليل ).
الليل والنهار – إذن – نعمتان، وكل نعمة تساوي الأخرى، وإياك أن تقول هذا ضد تلك، أو أنها جاءت لتعاندها، لا. لقد جاءت كل منهما لتساند الأخرى.
وفي سورة الليل يتابع الحق :
وما خلق الذكر والأنثى ( ٣ ) ( سورة الليل ).
لقد جاء سبحانه أيضا بمتقابلين، وإياك أن تظن أنهما متعاندان فقد جعلهما الله متكاملين لتنجح الحياة. وإن تعاندا تفسد الحياة. ومادام الليل له مهمة والنهار له مهمة، إذن فالذكر له مهمة، والأنثى لها مهمة. وإن خلطت المهمتين ينتج الفساد.
والليل إذا يغشى ( ١ ) والنهار إذا تجلى ( ٢ ) وما خلق الذكر والأنثى ( ٣ ) إن سعيكم لشتى( ٤ ) ( سورة الليل )
ويقول الحق هنا :
قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ( ٦٣ ) ( سورة الأنعام )
والظلمة – إذن – هي عدم النور. ولم يقل الحق إن طلب النجاة يكون من ظلمة واحدة، وإنما طلب النجاة من ظلمات متعددة، وهي ظلمات متراكمة ؛ لأن الظلمة إذا ما غشيت بظلمة ثانية، ثم بظلمة ثالثة، حينئذ تصير ظلمات مركبة بعضها فوق بعض.
والحق سبحانه قال : ظلمات البر والبحر ، وحتى نعرف أهي ظلمات حسية أم ظلمات معنوية لا بد لنا أن نعرف الظلمة في معناها الحسي، وإنها ما يؤدي إلى عدم الاهتداء إلى الحركة المنجية، إذن فكل أمر يؤدي إلى عدم الاهتداء – حسيا أو معنويا – هو ظلمة ؛ لأن الإنسان في هذه الحالة يسير في أموره بغير اهتداء، والأحداث والكوارث التي يصعب على الناس أن يعرفوا طريق النجاة منها تعتبر ظلمة، سواء أكانت ظلمة حسية أم معنوية.
والحق سبحانه وتعالى يقرب لنا المعنويات بالأمور الحسية ؛ والمراد بالظلمات هنا هي الأحداث والكوارث والنوازل التي تضيق أسباب البشر عن النجاة منها. والإنسان حريص دائما على نفع نفسه، وتظهر التناقضات في أفعال إنسان عن أفعال إنسان آخر لاختلاف كل منهما في تقييم وتقدير النفعية. والمثال على ذلك واضح ونضربه دائما هو : مثال التلميذ الذي يذهب صباحا مبكرا إلى مدرسته، وينتبه إلى أساتذته، ويعود إلى منزله ليؤدي واجبه، ويخرج من لذيذ الكسل ليجد لذة في العمل، إنه بذلك يحب نفسه ويريد النفع لها. أما التلميذ الذي ينام ويوقظه أهله فلا يستيقظ، إذا أيقظوه فهو يخرج من البيت ليتسكع في الطريق، مثل هذا التلميذ يحب نفسه حبا أحمق لأنه يريد اللذة العاجلة التي تعقبها سلسلة من الآلام الآجلة. إنه ينتظر مستقبلا لا كرامة له فيه عكس التلميذ المجد الذي يتبوأ المكانة اللائقة به.
والمثال الواضح أيضا في الريف هو الفلاح الذي يقضي وقته على المقهى ويسهر الليل أمام التليفزيون ويترك الأرض بلا حرث ولا ري ولا تسميد، ولا يمكن أن تنتج الأرض التي يفلحها محصولها مساويا لأرض الفلاح الذي يأخذ بأسباب الله فيحرث الأرض وينتظم في ريها في المواعيد المحددة، ويضع السماد المقرر لها ؛ لأن الذي أخذ بأسباب الله وتعب وبذل جهدا لا بد أن يعطيه الحق الرزق الوفير. أما الذي يكسل عن أداء عمله فقد أحب نفسه حبا أحمق قصير الأجل، وأما الذي أخذ بأسباب الله وأقبل على عمله بحب وتقدير فقد أحب نفسه حبا أعمق، فيه نفع له ولغيره.
إن كل حركة يصنعها الإنسان في الحياة إنما يريد بها نفع نفسه، ولكن هناك اختلاف في تقدير النفعية بين إنسان وآخر، والعاقل من يرى النفعية الآجلة المجدية ويعمل لها، وها هو ذا المتنبي الشاعر العربي يقول :
أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه
حريصا عليها مستهاما بها صبا
فحب الجبان النفس أورده التقى
وحب الشجاع النفس أورده الحربا
حب الشجاع لنفسه – إذن – جعله طموحا إلى الحياة الخالدة كشهيد في سبيل الله، وحب الجبان لنفسه جعله أسير الخوف على الحياة الفانية. فإذا ما صدم الإنسان بأحداث ونوازل وكوارث نرى نفعيته وهي تحركه إلى البحث عن أسباب للنجاة، ويعتمد على أسبابه أو أسباب من هو قريب منه، أما إذا عزت أسباب البشر. وكان غافلا عن الله، فإن الأحداث والمصائب والكوارث تعيده وتذكره بخالقه فيقول :( يا رب )، وبذلك لا يبيع نفسه رخيصا. لكن إن خدع مثل هذا الإنسان نفسه من البداية وأعرض عن الله وتمرد على ربه ووجد نفسه أمام الكوارث فهو يسلم أمره لله في وقت الشدة، فإن انجاب وانكشف عنه الضر عاد إلى الكفر وتمرده. ولذلك يقول الحق سبحانه :
وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ( ٦٧ ) ( سورة الإسراء ).
ونجد الذين يقابلون الأهواء وتنتهي أسبابهم لا يكذبون على أنفسهم. بل يتجهون فطريا إلى الحق القادر على الأخذ بأيديهم. فلحظة أن تضطرب سفينة وتحيطها عواصف الموج والرياح، وتختل آلاتها لا تجد إلا كلمة : يا رب، يا رب. يا رب. على ألسنة كل ركابها بداية من ( القبطان ) والقائد إلى أصغر راكب بها، وتجد من يتمتم بآيات القرآن توسلا إلى الله للنجاة. وكذلك لحظة أن تضطرب طائرة في الجو، ولا يعرف قائدها طريقا للنجاة لا يقفز إلى أذهان الركاب وطاقم الطائرة إلا نداء التضرع إلى الله.
ولهذا يقول لنا الحق سبحانه : ضل من تدعون إلا إياه ودعوة الإنسان ربه ومولاه هي الوسيلة الأولى من وسائل اليقين، ونعلم أن أحداث الحياة تترواح ما بين أمرين ؛ أمر يبسط ويسعد الإنسان، وأمر يقبض ويقيض على الإنسان ويشقى به، فأما الذي يبسط ويسعد فهو إدراك الجمال، والنعمة والراحة، والسعادة، والإحساس بالرضا. وأما الذي يضيق على الإنسان ويشقيه فهو يريد أن يلفت منه وينجو.
ولنا العبرة الكاملة من الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، فالإنسان بفطرته إن رأى ما يسعده، لا يجد تعبيرا أقوى من أن يقول :( الله ). وهي صيحة التقدير والتقديس لله الذي أعطاه موهبة إتقان العمل. وتتجلى العبرة الكاملة أيضا عندما يدهم الإنسان الخطر فيقول بفطرته :( يا رب ). إذن فلا ملجأ إلا إلى الله.
قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ؟ ويتضمن السؤال الحقيقة التي لا بد أن يقررها السامع لهذا السؤال وهي : إن الله هو المنجي من ظلمات البر والبحر. وحين يأمر الحق رسوله أن يقول هذا التساؤل للكافرين فهو سبحانه عليم بأن إجابة الفطرة هي التي ستغلب على ألسنة الكافرين ويعترفون به سبحانه وحده بأنه هو المنجي من ظلمات البر والبحر. والكون – كما نعلم – إما بر وإما بحر. ولقائل أن يقول : ولكن هناك كوارث جديدة في عصرنا هي كوارث الجو ؟
ونقول : يجب أن تفهم أن كل جو يأخذ حكم مكانه. فجو البر من البر، وجو البحر من البحر، ومثال ذلك ما نراه عند الصلاة في المسجد الحرام ؛ فنحن نرى المصلين يؤدون الصلاة حول الكعبة أو في الدور والطابق الأول أو الثاني أو الثالث من المباني المقامة كمسجد حول الكعبة. ونلحظ أن ارتفاع الكعبة لا يريد على ارتفاع دور واحد من أدوار المباني التي حولها. والمصلون يتجهون في صلواتهم في تلك الأدوار إلى جو الكعبة، ذلك أن جو المكانة المقدس هو مقدس أيضا، وجو الحرم من الحرم.
ومثال هو السعي بين الصفا والمروة ؛ فالمسلم يسعى بين الصفا والمروة في الدور الأرضي، وهناك الآن دور ثان أقيم للسعي. وهكذا نرى أن جو المسعى مسعى أيضا. وقديما كان محرما على الطائرات أن تطير في جو مكة أو المدينة. حدث ذلك أيام أن كان الطيارون من غير المسلمين، وذلك حتى لا يطير غير المسلم في الجو المقدس. أما الآن فقد صار مسموحا للطيارين المسلمين أن يقودوا طائراتهم في أجواء مكة والمدينة المنورة.
فالجو له حكم المكان سواء أكان المكان برا أم بحرا.
قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية إن الدعاء بالفطرة يتجه إلى الله، والدعاء هو طلب لشيء. والطلب يقتضي طالبا، ومطلوبا، ومطلوبا منه. والطالب هو من يدعو. والمطلوب منه هو من ندعوه ونسأله. والمطلوب هو الشيء الذي نتضرع بالدعاء رجاء أن يحدث. والطلب لون من الأمر، لكن إذا ما جاء الطلب من الأدنى إلى الأعلى فلا تقل إنه أمر، بل هو دعاء.
وفي اللغة عندما نسأل الطالب أن يقدم بإعراب ( رب اغفر لي )، نجد الذي استذكر دروسه دون تفقه يقول :( اغفر فعل أمر )، أما الطالب المتفقه في فهم دينه مع إجادة لدراسته فيقول بأدب الإيمان : اغفر هي فعل دعاء ؛ لأن الطلب إن صدر من الأدنى إلى الأعلى فهو دعاء، وإن صدر من المساوي للمساوي فهو التماس، وإن صدر من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر.
وحين ننظر إلى الحالة النفسية لمن تحيطه الكوارث والأحداث والنوازل وتضغط عليه الظروف ولا يجد من ينقذه، هل مثل هذا الإنسان يأمر أو يدعو إنه يدعو بطبيعة الحال، ويدعو بتذلل وامتثال وخضوع، وهذا معنى الدعاء...... إنه السؤال بتضرع وخضوع. والتضرع يقتضي قولا، ويقتضي فعلا ويكون التضرع بالوجدانيات والسلوكيات.
ويخطئ من يظن أن هناك تضرعا بالقول دون أن يربط ذلك بفعل. فعندما تكون في موقع قوة أو نفوذ ويسألك سائل أن تتفضل عليه بشيء، فهذا منه تضرع بالقول. لكن عندما تكون في موقع قوة أو نفوذ ويسألك سائل أن يفعل لك أمرا، فهذا تضرع بالقول والفعل. وفي لحظة الخطر يدعو الإنسان ربه ولا يمكن أن يكون وفي قلبه ذ
تفسير الشعراوي
الشعراوي