(قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضرُّعًا وَخُفْيَةً).
كان المشركون يعرفون الله سبحانه وتعالى، ولكن لَا يؤمنون به، ولا يخصونه بالعبادة بل يشركون معه الأوثان، ويقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وكذلك أكثر الوثنيين، يعرفون أن قوة خفية تسير الوجود، ولكنهم يعبدون أشياء حسية يحسبون أن روح الألوهية تحل فيها، وهم في غيهم يعمهون.
فلا عجب، إذا كان المشركون عندما تشتد بهم الشديدة لَا يتجهون إلا إلى خالق الكون ومنشئه ومسيره والقيوم عليه سبحانه وتعالى، ولقد أمر الله تعالى الرسول الكريم أن يوجه أنظارهم إلى أنه لَا يذكر في الشديدة إلا الله سبحانه وتعالى، وأنهم يذكرونه حيث تكون الكريهة، وحيث يكون الخطر، فأمره بأن يوجه إليهم الاستفهام ليقروا بهذه الحقيقة: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) والاستفهام إنكاري تقريري بمعنى لَا أحد ينجيكم من ظلمات البر والبحر، وأنتم
تقرون بذلك إذ تدعونه تضرعا وخفية، فلا تلجأون لغيره ولا تجدون منجاة إلا من عنده، والظلمة هنا الشدة، فهي مجاز، شبهت فيه الشدة والكرب بالظلمة؛ لأن النفس فيها تتحير، ولده فتبلس، فتكون كأنها لَا ترى ولا تعرف وجه الخروج؛ ولذلك يقال لليوم الشديد الذي يملؤه الكرب: يوم مظلم، ويقولون: نهار ذو كواكب، أي أنه لشدته يكون كأنه ليل ترى فيه الكواكب، وفي شدائد البر والبحر تكون غمة حقيقية، فقد يكون غيم شديد، لَا رؤية فيه، أو ريح عاصف وإعصار، وقد يكون الخسف الذي يلقي في ظلمات الأرض، وقد يكون اصطخاب الأمواج بالأذى، وهكذا فتجتمع ظلمة الشدة، والظلمة الحقيقية وقد تكون الشدة حيرة، يضلون فيها الطريق فتبتلعهم الصحراء، أو تكون إذا ركبوا البحر، فضلت فيه المحجة (١)، أو ألقتهم الريح لَا يهتدون ولا يجدون النجاة، فكل هذه ظلمات متكاثفة.
وإن حالهم أنهم لَا يلجأون إلا إليه ولذا قال سبحانه عنهم: (تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) أي أنكم في حال الشدة، تتجهون إليه سبحانه وتعالى بقلوبكم ونفوسكم، ولا تجدون ملجأ منه إلا إليه، ويظهر ذلك الالتجاء القلبي ضراعة وتذللا يجري على ألسنتكم ولا تجدون سبيلا للامتناع عن الجهر بالضراعة والتذلل لله تعالى، وتسليم الوجه له، فالتضرع دعاء الله تعالى مستسلمين له جهرا، والخفية خنوع النفس، واتجاهها قلبيا إليه سبحانه، وقد صور الله تعالى ضراعتهم، بقوله: (لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ).
هذا قسم يقسمونه، ويؤكدون به ما هم عليه من الالتجاء إلى الله؛ ولذلك كان التوكيد بالنون الثقيلة وباللام، وموقع هذه الجملة مما قبلها أنها تفسير للضراعة التي جهروا بها أو هي تفسير بمعنى (تدعون) فهم يدعون الله تعالى، بمعنى أنهم في سريرة أنفسهم وضراعة قولهم، يقسمون بأن الله تعالى إن أنجاهم من هذه الكروب الكاربة، والشدائد الشديدة، ليشكرونه حق شكره، وشكر الله تعالى
________
(١) المَحَجَّةُ: الطريق.
بالعبادة، وتخصيصه بها؛ لأنهم إن أشركوا معه غيره في العبادة لَا يعدون عابدين؛ إذ إنه حيث أفرد بالالتجاء، لَا يتصور إلا أن يفرد سبحانه وتعالى بالعبادة.
ويصح أن يكون قوله تعالى عنهم: (لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) مقولا لقول محذوف تقديره قائلين لئن أنجيتنا من هذه.
ومع أنهم وعدوا بالشكر أي إخلاص العبادة لله تعالى، فهل وفوا بذلك؟ إنهم لم يفوا؛ إذ إنها حال إذعان في الشدة، فإذا نجوا عاد إليهم جحودهم، وغرتهم أنفسهم وأمانيهم.
* * *
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة