يقول الحق سبحانه :
قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون ( ٦٤ ) .
إن الحق ينجيهم من الظلمات المادية في البر والبحر، وسبحانه بعلمه الأزلي يعلم أنهم بعد النجاة سيعودون إلى ما نهاهم عنه من شرك به ؛ لأن الإنسان بطبيعته عندما يجد حياته مكتفية بما يملكه قد يقع فيما قاله الحق تبارك وتعالى :
كلا إن الإنسان ليطغى ( ٦ ) أن رآه استغنى ( ٧ ) ( سورة العلق ).
والإنسان قد يتجاوز حدوده ويتكبر على من حوله، بل وعلى ربه إن رأى نفسه صاحب ثراء، ولا يعصم الإنسان من مثل هذا الموقف إلا الإيمان بالله ؛ لأن الإنسان بدون منهج الله يسبح في بحر الغرور والتكبر، ولكن من يحيى في ضوء منهج الله فهو يعرف كيف يرعى الله في كل إمكانات أو ثراء يمنحه له الله، وينشر معونته ليستظل بها المحتاج غير الواجد. ولذلك نجد أن كلمة ( الإنسان ) إذا أطلقت تقترن بالخسارة.
والعصر ( ١ ) إن الإنسان لفي خسر ( ٢ ) ( سورة العصر )
أي أن الإنسان على إطلاقه في خسر. ولكن الحق يستثني من ؟.
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتوصوا بالصبر ( ٣ ) ( سورة العصر )
إذن فالإنسان المعزول عن المنهج الله هو الذي يحيا في خسران، ولكن من يعيش في رحاب المنهج هو الذي لا يخسر أبدا. والإنسان حين يعيش دون منهج يصدر ويحدث منه ما رواه الحق سبحانه :
فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون ( ٤٩ ) ( سورة الزمر ).
لأن الإنسان يعيش دون منهج يدعو الله إن أصابه الضر، فإذا ما أنجاه الله ادعى أن النجاة إنما كانت بأسباب امتلكها هو، وإذا ما أعطاه الله نعمة من النعم زاد في الادعاء وزعم أن هذه النعمة مصدرها علم من عنده هو ولا ينسب ذلك إلى الموجد الحقيقي وهو الله، إنه نسى أن كل نعمة هي مجرد اختبار من الله.
تفسير الشعراوي
الشعراوي